طرح الشيخ ناصر شعار التصفية والتربية، وجعلهما سببا التغيير وإعادة الإسلام إلى الحياة، وقد قصد بقوله التصفية أنّه يجب علينا تنقية الإسلام ومصادره من الشوائب والأخطاء التي ولجت فيه، ومن أمثلة ذلك ما دخل على الأمّة من الأحاديث الضّعيفة والموضوعة، وهما من مصادر البدع والضّلالات التي حدثت في أمّة الإسلام، فكان لابدّ من تمييز الصحيح من الضعيف، وإنّ في الصحيح غناء وكفاية، ولا حاجة للمسلم في دينه للأحاديث الضعيفة والموضوعة، بل إنّ هذه الأحاديث هي سبب انحراف تصوّر النّاس عن الدين الصّحيح، وصرف الشيخ كل جهوده في هذا المضمار، فجعل من مشاريعه القيّمة هو: تقريب السنّة بين يدي الأمّة، وكذلك سلسلة الأحاديث الصّحيحة، وسلسلة الأحاديث الضّعيفة والموضوعة وأثرها السيّء في الأمة، وحُقّقت بعض كتب الحديث المهمّة ككتاب السنّة لابن أبي عاصم، واختصر كتاب العلو للإمام شمس الدين الذهبي، وهكذا جرى على هذا العمل الطيّب سيرًا وتكملة لمسيرة الأئمّة الأوائل الذين اشتغلوا بهذا الفنّ العظيم مثل ابن حجر العسقلاني وتلامذته.
ولكن ما يهمّنا في هذا الباب مناقشة موضوع التصفية والتربية كأسلوب يختطه المسلم من أجل التغيير نحو إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، وقبل أن نناقش هذا الموضوع من وجهة نظر صحيحة، فإننا لا بدّ من أن نقدّم بمقدّمات يسيرة تكشف للقارئ بعض الجوانب:
1 -ما زال الخطاب عند الشيخ ناصر والتيار المؤيّد له يرى في قضية توصيف الواقع مرتبط أهمّيته في النظر إلى شخص الحاكم والخلاف فيه، فالشيخ إلى الآن لم يخرج منه ما يحدد هذا الباب سوى أنّه يجعل قضية الحكم بما أنزل الله تعالى واستبدال الشريعة قضيّة تحاج إلى قرينةٍ أخرى للحكم على الحاكم بكفره، هذه القرينة هي الاستحلال.
وهذا كلام قاله منذ القديم حين علّق على شرح الطحاوية، وجعل الواقع الذي تعيشه الحكومات ورجالها هو قضية الخلاف الحاصل قديمًا بين العلماء، وهي بأنّ الحاكم إذا حكم في واقعة، أو وقائع، بغير ما أنزل الله بغير استحلال لذلك هو عاص، وأنّه إذا استحلّ كَفَر وخرج من الملّة، ومع أنّ هذا القول هو قول قديم له إلاّ أنّه ما زال يكرّره في أشرطته، ويُنزله على الواقع المعاصر، بحيث يقسّم الحكّام المعاصرين في الدول الكافرة إلى قسمين:
أ) قسم كافر ومرتد، وهذا المستحل للحكم بغير ما أنزل الله.
ب) قسم آخر لم يكفر كفرا صريحًا، لأنه لم يثبت عليه شرط الاستحلال.
وهذا القول قولٌ غريب من جهة الشرع، وغريب من جهة تصوّر الواقع المعاصر على هذه الصِّفة، فإن الواقع المعاصر يدلّ على أن هؤلاء الحكّام وطوائفهم شَرعوا للنّاس أحكامًا جديدة، وقد أجمع الأوائل من أئمّتنا على أن مطلق التّشريع على خلاف الشّريعة هو كفر وردّة، وممّن ذكر الإجماع الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام ودليله قوله تعالى: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه وإنّه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون} . فقد فرّق الشّارع بين مستويين من المعصية:
المستوى الأول: هو أكل الميتة فجعله فسقًا.
المستوى الثاني: طاعة الطاغوت في القول بحِل أكل الميتة، فجعله شِركًا.
وعلى هذا فإنّ المشرّع على خلاف شريعة الرحمن هو كافرٌ ومرتد، ولو اشترطنا في حقّه الاستحلال، فإن تشريعه هو استحلال لذلك، فلو أنّ رجلًا قال للناس أحللت لكم الميتة، لكان طاغوتًا كافرًا، ومن أطاعه كذلك، وهذا خلاف من أكل لحم الميتة وهو يعتقد حرمتها.
ولذلك جعل الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ في رسالته"تحكيم القوانين"أنّ مِن أعظم أنواع الشّرك الأكبر هو مجرّد أن يفتح الحاكم للنّاس محاكم تحكم بغير الشّريعة الإسلامية، وعلى هذا فإنّه إن جاز للأوائل التّفريق بين حاكمٍ مُستحل وآخر غير مستحل (وهي مسألة مختلف فيها أصلًا) إلاّ أنّه لا يجوز أن يختلف النّاس عليها الآن، وأنّ واقعنا هو في مسائل لا ينتطح فيها عنزان كما يُقال.