والحق أن سرور رجل يرفض في كل ما كتب وسوّد أن يعطي أحكامًا قاطعة في مسائل كثيرة تحتاجها الحركة الإسلامية المعاصرة، مع أنه يدعو وجماعته تدعو إلى وجوب فهم الواقع، لكن السؤال: ما هي الفائدة أن يسوّد محمد سرور مقالًا في مجلة السنة عدد (12) وما بعدها، ثم ينشره لفائدته العظيمة كما يظن على شكل كتيّب بعنوان"هل عرفتم الآن حقيقة حكّامكم؟"، فلا يقدّم سرور فيه شيئا يستحق أن يبعث في نفس السني حكمًا شرعيًا في هؤلاء الحكام، بل ولا يقدّم محمد سرور شيئًا من هذه الأحكام فيهم، ثم أين القضية الأولى والمهمة بين الموحدين وبين هؤلاء الحكّام؟، وأعني استبدالهم للشريعة والحكم بغير ما أنزل الله، وهذا نقوله لأننا قرأنا كل ما كتب سرور في مجلته، وكل ما أصدره من كتب فلم نر له شيئا يستحق أن يُبنى عليه حكم شرعي لهؤلاء الحكام، أما هذه العمومات التي يكتبها في السنة وما يصدرها في كتبه فهذه يعرفها أهل الإفراط وأهل التفريط، وليس منها نستطيع أن نكتشف أو نحكم على قائلها بأنه سني أو بدعي إلا بعد أن يصدر حكمًا شرعيًا، لأن الحكم الشرعي لن يكون فيه هذه الفضفاضية التي تسمح للجاهل بالستر على جهله، ولا بالزئبقي بالهروب إلى حيث يقتضي الظرف والمصلحة الشخصية.
سرور في هذا الباب لا يعدو أن يكون من جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه استطاع تمرير حقيقته على تيّار الجهل بفقه الواقع حين استخدم شعار أهل السنة والجماعة، واتّباع منهج السلف الصالح، وسنرى فيما يأتي كيف أن سرور ليس له منهجٌ واضح في التعامل مع الأمور، بل هو مضطرب أشدّ الاضطراب فيما يصدر ويقول، وهذا يجعلنا نؤكد أن هذا الشعار الذي رفعه لا يعرف من حقيقته شيئًا سوى حقيقة واحدة، (وهي عريضة يكتشفها الأعمى) هذه الحقيقة هي: نبذ أهل الرفض الملاعين وعدم الاغترار بشعاراتهم الخادعة.
ومما ينبغي أن نؤكّد عليه أن العمومات لا تكفي في هذا الزمان للحكم على الشخص، بل لا بد من الدخول إلى الدقائق حتى نستطيع أن نكتشف الحقيقة، والأمثلة في ذلك كثيرة وأهمّها: موضوع الإيمان وحقيقته عند أهل السنة والجماعة، فإنّك تسمع (الجميع!!) يردّد: الإيمان قول وعمل، ولكنك حين تنظر إلى جانب التطبيق لهذه الحقيقة تكتشف عمق الخلل.
وكذلك موضع الجهاد: في السنة عدد (34) محمد سرور، وفي افتتاحية العدد يتكلم بتوسع إنشائي كالعادة عن الاتفاق الفلسطيني اليهودي ويقول فيه: لا أدري والله ماذا كانت شعوبنا تنتظر من عرفات وغيره من الزعماء العرب، وإلى متى تستمر هذه الأمّية السياسية؟! .. ألا يرون سيرة هؤلاء الأقزام من شعوبهم .. ألا يرون حربهم الشرسة ضد الإسلام والمسلمين .. ألا يرون ولاءهم للكفار المشركين. اهـ.
فكما ترى هذا كلام جميل ورائع وهو يصلح مقدّمة وحيثية عند البعض لإصدار حكم شرعي فيهم: والحكم الشرعي هو أن حكامنا كفّار لأنهم يحاربون الإسلام والمسلمين ويوالون الكفّار المشركين. أليس كذلك؟ وفي نفس المقال: يتباكى سرور على الجهاد، ويقول ويتسائل: فهل أصبحت أحكام الجهاد تراثًا يدرسه طلاّب العِلم دون أن يكون له وجود فعلي؟! إذًا سرور يطلب من المسلمين الجهاد (والآن) .
لكن يا أستاذ سرور: سيسألك الناس: نجاهد من؟ ومع من؟ أليس الواجب أن نقاتل هؤلاء الكفار الذين منعونا أن نجاهد اليهود؟ ألم يُكتب في مجلتك في نفس العدد (34) بقلم محمد الأحمد ص93 حكمًا شرعيًا يقول:"بل لا خلاف بين العلماء أن أي طائفة امتنعت عن جهاد الكفار أو ضرب الجزية عليهم تُجاهد هي بذاتها (كذا) حتى ترجع إلى الصواب وتلتزم هذه الفريضة المحكمة".
أرأيت أخي المجاهد هذه العمومات ما أجملها، لكن أنظر إلى النتائج التي ينتهي إليها في معارضة هذا الاتفاق اليهودي -العلماني (مع أن القضية الحقيقية بين المسلم وبين الحكّام كانت قبل الاتفاق وهي باقية بعد الاتفاق) : يقول سرور في كتيبه الذي أصدره المركز بعنوان:"مؤتمر الاستسلام وأبعاد المعارضة الإسلامية"عن كيفية معارضة هذا الاتفاق، يقول:"معارضتنا لمؤتمر الاستسلام لها حدود، وتجاوز هذه الحدود مهلكة" (نقلا عن السنة17/ص22) ويقول:"إن إنكار المنكر واجب على كل مسلم، فلا بد أن ترتفع أصوات الدعاة (بشجب!!) هذه المؤامرة، وبيان أبعادها ومخاطرها".
أي أن حدودنا تنتهي فقط إلى الشجب.