وقد مضى في سورة البقرة بدء قصة داود ، وظهوره في جيش طالوت ، في بني إسرائيل - من بعد موسى - إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل اللّه. فاختار لهم طالوت ملكا. ولقي بهم عدوهم الجبار جالوت وجنوده. وقتل داود جالوت. وكان إذ ذاك فتى. ومنذ ذلك الحين ارتفع نجمه حتى ولي الملك أخيرا وأصبح ذا سلطان. ولكنه كان أوابا رجاعا إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار.
ومع النبوة والملك آتاه اللّه من فضله قلبا ذاكرا وصوتا رخيما ، يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه. وبلغ من قوة استغراقه في الذكر ، ومن حسن حظه في الترتيل ، أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون.
وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها ، وتمجيدها له وعبادتها. فإذا الجبال تسبح معه ، وإذا الطير مجموعة عليه ، تسبح معه لمولاها ومولاه: «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ» ..
ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ .. الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق ، حينما يخلو إلى ربه ، يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره. والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده .. لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ ، إذ يخالف مألوفهم ، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين