الصفحة 125 من 172

فكانت منه حكمة صادقة، تشهد حروفها أنها من كلام أهل التربية وممارسيها.

وكأنه ما من مصلح مرب إلا وصى بها أصحابه مرارًا وحين موته.

فجراثيم التسمم، وبكتيريا العفونة، لا تنمو في بيئة ملة. وكذلك أهل الفساد، لا يستطيعون رفع رؤوسهم في بيئة يكون فيها الناهون عن المنكر.

إنه تصوير لواقع القلة المؤمنة من دعاة الإسلام بين الكثرة اللاهية المسترسلة مع أمور دنياها.

بهم يصلح الله كل فساد اجتماعي، فيقومونه من بعد الإعوجاج. وهم الذهيرة للأمة يحفظون لها مصالحها كلما ضيعها شهواني ظلوم، فيرجعونها إلى مكانة العز التي تنبغي لها.

فإذا أعوج الدعاة أنفسهم، وضيعوا رابطة إخائهم، وألفوا بعض المنكر، فنم للأمة يصلحها؟ ومن للمجتمع يزكيه؟

لذلك بات النداء إلى التحابب وإيطاء الأكناف، ثم التواصي بإنكار المنكر، ركنين مهمين في التربية الجماعية الإسلامية، يكفلان تمكن الدعاة من أداء دورهم الواجب في مصادمة الفساد.

فالإخاء: يحفظ المجموعة، ويمنع التسيب، ويكسب الإنكار فاعلية تأثيرية.

والتواصي: ينقل المجموعة إلى الشجاعة في المواجهة والصبر عليها، وبهذين الركنين التربويين تمكنت دعوة الإسلام الحديث من إنتاج (جماعة إنكار متآلفة) أحيت سمت إخاء إيماني انقطع لقرون طويلة، وطفقت تضرب في النهي عن الفساد الأمثال، فشدت قلب يوسف القرضاوي إليها، فراح يصف في سنة 1370هـ حسن نماذجها:

أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم

…………والناس تزعم نصر الدين مجانًا

عاشوا على الحب أفواها وأفئدة

…………باتوا على البؤس والنعماء إخوانًا

الله يعرفهم أنصار دعوته

…………والناس تعرفهم للخير أعوانا (1)

هكذا، ليس غير.

أعوان خير، يقدمون ضريبة نصر الدين، على درب من الحب.

فلا عجب أن يكونوا الخط البارز في صورة الإسلام الحديثة.

(1) مجلة المباحث عدد 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت