الصفحة 126 من 172

ولا عجب أن يحرص كل ذي حرص على منع من يريد لهم انفراطًا يحرمهم القدرة على ممارسة الإنكار، ويضع في دربهم أحجار العثرات، فذاك سبب إيقادنا للأنوار.

غيرة على بهاء المنظر ونقاء الصورة من جانب، وكشفا للمتصدي الجريح الضعيف المتكلف لحشر نفسه في فجوات صفوف الصورة من جانب آخر.

فالأعمش تكثر في عينيه أشعة أنوار الفطنة، فتبهره، فيضع كفه على وجهه، ويطلب التواري، والأجهر يكون قريبا من النور وهو لا يبصره.

ولكن سليم العين يلتذ، وربما كان كمن ينظر من خلال عدسة تكبير.

أعمى وأعشى ثم ذو …بصر وزرقاء اليمامة

سبحان من قسم الحظو…ظ فلا عتاب ولا ملامة

قدر وحظ لم يقسما للأعمش والأجهر أن يتمتعا بما سبق أن أوقده فقه الدعوة من أنوار.

أما الموفق فأهل لأن يزداد لذة، وأن نرتقى لأجله ساربة أخرى، لنعلق عليها مصباح:

النور الرابع بعد العشرين، فيتألق بوميض:

الحرص على نجاة النفس

…فإن الإمارة أمر شديد، من لم يستطع الوفاء بلوازمها قد يتعرض يوم الحساب لنقاش دقيق، وكل إنسان خبير نفسه، ويفترض فيه أن يقدر تقديرًا صحيحًا قدرته الفطرية على قيادة قومه ومدى دخل الظروف المحيطة به وظروفه العائلية والمعاشية والصحية في أدائه لدوره، فمن ساق نفسه إلى رئاسة وهو يعلم أن في الجماعة أفضل منه وأمهر، وأنه سيسبب ضياع فوائد، ويعجز عن سد ثغرات محتملة: فقد ظلم.

ولهذا خاطبك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يسألك الرفق بنفسك من غد لا تدري عظيم غضب الله عليك فيه، فقال:

(نفس تنجيها: خير من إمارة لا تحصيها) (1) .

…إذ الإمارة تحتاج إلى إحصاء من أطرافها، ورعاية وحسن أداء، وأنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، ولا يصلح لها من كان على مثل ضعف أبي ذر رضي الله عنه ولو كان على مثل ما كان عليه من صدق اللسان وجمال العبادة.

(1) الفوائد لابن القيم/145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت