الصفحة 127 من 172

…وهذا المقدار هو من العلم الذي لم نر له في طلاب الرئاسة جاهلا، لكنهم يؤخذون ويفتق عليهم من باب التقليد والمحاكاة، وقول: ليس فلان أفضل مني: فإن أحدهم يرى التنافس في الرئاسة يشغل اقرانه، ويظل يرقب ما يشجر بينهم، حتى ينسى معاني علمه، ويتأثر بمنظر التنازع دون قول فقه الدعوة.

…وإنما كان خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يتخوف من مثل هذا، ويعده باب ما بعده من الإرتكاسات، فقال:

(إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون) .

هذا من مجرد الرؤية والمراقبة، فكيف إن اجتمع معها ترغيب وتشجيع ووصف لذات وجدوها؟

لا شك أن مخالفة العلم ستكون أسرع، والاستجابة أكثر احتمالا.

ولذلك دعاك الزاهد يحيي بن معاذ إلى الاعتصام بميزان ثالث في هذا الموطن تميز به صدق الخطيب الذي يدعوك فجزم لك بأنه:

(لا ينصحك من خان نفسه) .

فالمنازع في الرئاسة، الملحاح في نزاعه، قد ورط نفسه، وأضعف احتمالات نجاتها، وتلك خيانته لها، فكيف يرتاد لك الخير من بعد؟

فانظر ناصحك، وسائل قلبك: هل خان نفسه ثم أتاك، أم لا زال يكتال الحسنات؟

فإن كان ناصحًا لنفسه: عرضت مفاد نصيحته على أنوار الفطنة لتؤيدها أو تكشف سذاجتها. وإن كانت الأخرى: أعرضت.

وإلا، فإن الزيغة الأولى منك تجلب ثانية رغما عنك، فإنها العقوبة الربانية:

(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) .

وسعيد بن جبير إمام التابعين ينذرك:

(إن من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، وأن من عقوبة السيئة: السيئة بعدها) (1) .

فالزيغ ولود، كما أن الإحسان ولود ودود.

لابد من ذلك، حتى قال فقيه المدينة عروة بن الزبير بن العوام.

(إذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات. وإذا رأيته يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات) (2) .

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/11.

(2) تهذيب التهذيب 7/183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت