فهرس الكتاب
كذلك فإن من الخطورة بمكان أن يعطي المخلص أذنا صاغية منه لمن كان في مسجد ضرار ولم تشتهر له توبة حتى ولو انفرط عقد أصحابه وانهدم بنيانه وظن المخلص أنه سيتعامل مع فرد لا يستطيع الإضرار، فإن النفس تبقي موتورة خانقة غاضبة.
فيومها لما هدم الله الضرار الأول بأيدي المؤمنين: بقيت ريبته في صدورهم، فقال الله تعالى بعد انهياره:
(لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
وهي إشارة إلى طبيعة أصحاب كل ضرار، في كل زمان، بعدما يهدم الله بنيانهم.
فلقد انهار الجرف المنهار،(ولكن ركام البناء بقي في قلوب بناته. بقي فيها ريبة وشكا وقلقا وحيرة. وسيبقى كذلك لا يدع تلك القلوب تطمئن أو تثبت أو تستقر. إلا أن تقطع وتسقط هي الأخرى من الصدور.
وأن صورة البناء المنهار لهي صورة الريبة والقلق وعدم الاستقرار.
تلك صورة مادية، وهذه صورة شعورية، وهما تتقابلان في الواقع البشري المتكر في كل زمان. فما يزال صاحب الكيد الخادع مزعزع العقيدة، حائر الوجدان، لا يطمئن ولا يستقر، وهو من انكشاف ستره في قلق دائم، وريبة لا طمأنينة معها ولا استقرار) (1) .
ومثل هذا العنصر القلق ليس أهلا أن نلتمس عنده النظر العادل حتى نمنحه السمع المصغي، بل نتجاوزه، ونطلب الخير على شعاع.
النور السادس بعد العشرين اللامع بمعاني:
مضاعفة الحذر من فتن آخر الزمان
فنحن أقرب إلى الساعة مما كان عليه المسلمون قبل أربعة عشر قرنا حين نزل قول الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) وهذه علامات تترى، وليس بآخرها، تطال الحفاة العراة في البنيان، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، ولفائف كأسمه البخت المائلة فوق رؤوس الكاسيات العاريات.
وفي الحديث الصحيح أنه:
(لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى) (2) .
(1) المرجع السابق.
(2) صحيح مسلم 8/180.