فهرس الكتاب
ولكن مع ذلك فإن أهلها لا يستطيعون في آخر الزمان الثبات على إيمانهم، فيتركونها استكبارًا ونفاقًا وهي على أحسن ما تكون من وفرة الثمار والعمران، ويأبون أن يجاوروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يوصفوا بأنهم من سكنة المدينة، والعياذ بالله.
وقد ورد الخبر الصحيح بذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العواف، يريد: عوافي السباع والطير.
وآخر من يحشر: راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع: خروا على وجوههما) (1) .
(وروى مالك عن ابن حماس عن عمه عن أبي هريرة رفعه: لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد أو على المنبر، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: للعوافي: السباع والطير.
أخرجه معن بن عيسي في الموطأ عن مالك، ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ (2 ) ) .
(وروى عمر بن شبة باسناد صحيح عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله المسجد، ثم نظر إلينا فقال: أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي) (3) .
وعمر هذا ثقة، وهو:
(عمر بن شبة بن عبيدة.. البصري، النجوى الأخباري نزل بغداد.
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق صاحب عربية وأدب.
وقال الدارقطني: ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث) (4) .
أفرأيت؟
أهناك أشنع من هذه الفتنة وأكثرها منها هولا؟
منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الذئب فيعوي عليه! وسواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صلى عندها كبار الصحابة وأفذاذ الأعيان يعوي عندها الذئب!
فإذا كانت مثل هذه الفتنة العارمة تحدث في موطن الإيمان ولا يسلم منها مؤمنو المدينة، فكيف بمقدار الخطر الذي تفتحه علينا الفتن في غيرها من البلاد؟