الصفحة 138 من 172

فانظر كيف تطور الاعتراض على الاجتهادات إلى قتل، وكسر ضلوع، وتمثيل وطعنات ودفن في مقابر اليهود، وتقديم جثث أعزها الله وكرمها طعامًا للكلاب!!

فهل يأمن المخلصون إذا لم يسلكوا سبيل الاعتراض الصحيح اليوم ومالوا إلى تشهير وافتتان أن تنتهي اعتراضاتهم إلى أضرار كبيرة؟

لا والله، فإن من شأن الفتن دوما أنها تتطور وتفلت السيطرة عليها، والفطن من وعظه التاريخ، وسارع إلى تناوش قبس من:

النور الثامن بعد العشرين، المتوقد بجمال:

الإعراض عن الجاهلين

فإن الخارجين يديمون الاحتكاك بأفراد الجماعة كي يبقوا مادة لتماسكهم، ولابد من تفويت مقصدهم بالسكوت وعدم الالتفات إلى تحرشهم، مع نظرة رأفة ورحمة لهم تقود لسان أحدنا إلى أن يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

فمن أخلافه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يغضب لنفسه قط، وهذا يوجب على الداعية إن سمع كلمة تعريض به أن لا ينفعل، إن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، وقد قال الله تعالى عن نفسه (وهو يتولى الصالحين) ، والإعراض عن الجاهلين معنى من معاني الصلاح قطعًا.

وليعلم الداعية أن مدافعة الخصوم لا تكون أشد من مدافعة الأعداء في ساحات القتال، والمدافعة في ساحة القتال لا تكون بالالتحام دائمًا وإنما هناك الاختفاء والسكوت أيضًا، ولما نادى أبو سفيان المسلمين في معركة أحد بأعلى صوته: هل فيكم محمد؟ هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ لم يجبه أحد، مع أن الجواب كان أبعث للغيظ في قلب أبي سفيان من السكوت، ولكن الموقف كان يستلزم السكوت.

فإذا حصل مثل هذا في سوح القتال فحصوله في الحياة اليومية أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت