فهرس الكتاب
وانظر الزنا المحض والكذب مثلا، تجد الشرع متشددًا فيهما كل التشديد، ادًأ لهما في جملة الكبائر، واعدًا من يبرأ في حياته منهما بالجنة، وذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: (من تكفل لي بما بين فخذيه ولحييه: تكفلت له بالجنة) . أي تكفل بسلامة فرجه من الزنا الحقيقي الذي يكون في التقاء الفرجين، وبسلامة لسانه من الكذب.
ومفاد ذلك أن النظر الحرام وما وازاه، واللغو والتنابز وأمثالها من الصغائر، إذا خالطت تلك العفة، فإن الجنة تبقى غير بعيدة عن العفيف، لا يلزمه لتمام قربهاغير حسنات يسيرات يكون فيهن تكفير صغائره.
ويتأكد ذلك إذا علمنا أن الله تعالى قد كتب عدم الكمال على كل البشر في هذا الباب المتعلق بالزنا والكذب، قدرًا محتومًا عليهم، يدرك كل إنسان من مقدماتهما والصغائر المشتقة منهما شيئا مهمًا عف فرجه، فإن الحديث المروي في صحيح البخاري يذكر صراحة أن: (كل ابن آدم مدرك حظه من الزنا لا محالة، فزنا العينين النظرن وزنا اللسان المنطق) فلا يوجد البرئ براءة تامة، بل هو مقارف لبعض فروع الزنا والكذب التي يصدق عليها اسمهما مجازًا، لا محالة ولا مفر له من ذلك، وأن ترك تلكما الكبيرتين الحقيقتين، وذلك يوجب علينا أن لا نذهب في التشدد في توثيق مقترف هذه الصغائر إلى حد التزمت وتضعيفه تضعيفا مطلقا، بل نلتزم حد الشرع الذي ميزها عن الكبائر.
هكذا وقس على الزنا والكذب بقية الكبائر وفروعها من الصغائر.