الصفحة 164 من 172

ورب ظان يظن أن في مثل هذا الكلام من التساهل والتجريء للداعية على اقتحام اللمم والإكثار منه ما يولد مفاسد كثيرة ويهون أمر المعاصي عليهم فيستجيزونها، وذلك وهم، فإن الكلام التربوي لا يفهم بتجزئ، ونحن لا ندعو إلى ترك هذا التزمت ساكتين عن حقائق الشرع الأخرى، بل تلح إلحاحًا، ونلهج لهجًا، بتزيين الفضائل الإيمانية والدعوة إلى التمسك بها والتنافس في الإكثار منها، وغض البصر وترك اللغو من هذه الفضائل التي تميز الدعاة إلى درجات وطبقات، ما بين متعفف عنها شامخ بعفته، في رنو إلى حوريات الجنة، كأنه يراهن في دنياه رأي عين، فهو في الطبقات العالية، وآخر فاتر الهمة في مقاومة الإغراء، فهو في انشغال قلب ينزل به إلى الدرجات الدنيا. كما نعظ المتساهل مع نفسه وعظًا بليغا، ونذكره بأن النظر وما ماثله من الزنا المجازي قد يجره بالتتابع، وباستدراج من الشيطان، في لحظة شهوة وغفلة، إلى الزنا الحقيقي الذي يحرمه كفالة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالجنة، كما نذكره بأن الذي يتصدى لمرتبة دعوة الناس وتعليمهم غير العامي من المسلمين، فإن الداعية تعظم منه الصغيرة، ويكون بها في صد عن سبيل الله، إذا اقتدى بفهواته المقلدون، وفي صدود بغفلته عن ذكر وتسبيح كان منبغيًا له وتساعده الخطة الجماعية عليه وقت ما ألهته الصغائر، وهذا الصدد والصدود شعبة تقرب من الكبائر بالنسبة إليه، ويظل إثمها على الفرد المتسبب أو العامي دون إثمها عليه بكثير.

وفي قصة جريج العابد، الواردة في صحيح البخاري، مغزى جد كبير. ذلك أنه عصى أمه فلم يجبها، انشغا بصلا نافلة، فدعت عليه بالشر، وكان منتهي دعائها أن يري وجه المومسات، فكانت قصته مع البغي المتهمة له وهو من الزنا بريء، فالداعية المتوغل في طريق الدعوة، المتجاوز لمرحلة الابتداء، مثله مثل جريج في عبادته، يكون من أقصى العقوبة له أن يرى امرأة زانية فضلا عن أن يزني بها، فتدبر وتأمل!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت