الصفحة 165 من 172

وكذلك يرد هنا في هذا السياق أيضًا التفريق بين المقل والمكثر من هذه الصغائر، والمصر والمستغفر، من باب ما ذكره الفقهاء من أنه (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار) .

وأيضًا فإن النظر إلى المرأة المصلية الملتزمة المحجبة، وهو الذي كان أكثر ما يعنيه الفقهاء، غير النظر الذي تتيحه ظروف الحياة اليوم إلى المتبرجات بسبب سيرهن في الشوارع العامة أو أثناء مخالطتهن في الجامعة وأماكن العمل، مما تكون فيه النظرة الأولى جالبة لثانية دون فضول.

وهذا الذكر لهذه الحقيقة الشرعية في أمر الزنا، والدعوة إلى التشدد إزاء مرتكب الكبيرة فيه، والتساهل إزاء مرتكب فروعه من الصغائر، إنما شأنها شأن حقائق شرعية كان ذكرها مفسدة على بعض المسلمين، لما فهموها فهما ابتداعيا مصحوبا بجهل، ولكن وقوع المفسدة لن يغير من نسبة رجحان ذكر هذه الحقائق ونشر علمها بين المسلمين.

فمن ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه، في دخول قائل لا إله إلا الله الجنة، وكيف أحب أن يبشر بذلك الناس، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- منعه خوفا أن يتكلوا ويدعوا الأعمال، فإن أبا ذر أخبر بهذا الحديث عند موته خشية منه أن يقع في إثما كتم العلم، وصار حقيقة شرعية وبندًا في العقيدة يهدى أصحاب القلوب الحية ذات النمط الأوسط إلى العدل في الحكم على الناس والتهيب من تكفيرهم بمجرد ولوغهم في المعاصي، مع أن بعض المبتدعة قد استنبط منه التعويل على كلمة الشهادة وعاف العمل.

وكذلك حديث ذاك الذي لا يزيد على الفروض ولا ينقص، الذي أفلح إن صدق، قد اغتر أناس بظاهرة فاعتادوا ترك النوافل، ولكن ذلك لم يمنع البخاري من ذكره كحقيقة شرعية مقرونة بألوف من الأحاديث الصحيحة معه في الترغيب بالخير الزائد على مقدار الفرض، كما لم يمنع غيره من فقهاء الأمة من النص على فسوق من يهجر السنن المؤكدة هجرًا طويلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت