فهرس الكتاب
وقس على هذه الأمثال، وتأمل ما سبق ذكره من عوامل الافتراق بين جيلنا الحاضر وأجيال السلف، لينفتح لك باب مفيد من الاقتناع بأهمية الوقوف عند حدود الشرع في التمييز بين درجات المعاصي، وتصنيفها إلى كبائر ولمم، تخرج منه إلى واقعية تجبرك على مصاحبة الذين قصرت هممهم عن التملص من الصغائر، والرفق بهم، دونما إخلال بكلام تربوي واجب تنصحهم فيه، غير متزمت، ولا لهم بظالم.
إن أخذ مجتمع الدعاة بالشدة في ذلك، وإشاعة عرف بالغ الحساسية إزاء الصغائر، ربما يؤدي إلى نفع عظيم في جودة معادنهم، ويوصلنا إلى نتيجة تربوية جيدة، ولكنه بالمقابل يؤدي إلى جفلة الجدد وزهد الشباب في الانتماء، لقصور هممهم عن متابعة التعفف الكامل، وهي مفسدة تعارض تلك المصلحة التربوية، لابد من مراعاتها.
ومن المهم أن تفهم أن الذي نقوله ما هو بتسويغ للتهاون، وإنما هو دعوة إلى الوقوف مع النمط الوسط الممدوح شرعا الذي لا يجنح إلى تفريط، ولا يرهقه الإفراط.
ومما يقارب هذه المسائل، ونستعمل له نفس التسيوغات: أمر التدخين، فقد يكون الشاب معتادًأ له قبل مخالطته لدعاة الإسلام، ثم ينتمي لهم ولا يستطيع الفكاك من أسره، فنتجاوز عنه، والأصوب في أمر التدخين -والله أعلم- أن لا نجزم بحرمته، ولكن نقول بكراته الشديدة، وأن عرف الدعاة لا يستسيغه، وجعلوا تركه شرطًا للعاملين.