فهرس الكتاب
وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد، فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعلة حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الافتاء.
ولا ندعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابا دومًا في نتائجها، فإن ذلك ليس ركنا في توثيق المسلم، إنما هو يجتهد في باب السياسة كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعا لمدى فراسته، وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.
ومع ذلك فلا يمكن للقيادات على طول الخط أن تكشف حوارها حين تقرير مثل هذه الخطوات القائمة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ذلك لأنها قد تعتمد عل أسرار لا يسوغ كشفها، أو تسويغات مضمرة لا تريد أن يتسرب علمها إلى أعداء الإسلام، فيحورون خطتهم العدائية تبعًا لذلك.
وقد جري العرف عندنا على الاستقلال في العمل، والدعوة إلى زوال الأحزاب، ومقارعة الظالمين، ومضت هذه المعاني أصولا في التخطيط السياسي، وأفصح عنها كلها الإمام البنا رحمه الله في رسائله، ولا تكون موازناتنا بين درجات المصالح إلا على ضوء هذه القواعد.
فأنصف أيها الناقد، ذلك خير، وكفاك هذا أيها الداعية، لا تطلب الرد حرفا بحرف، فإنها متاهة والله متاهة الردود... وعوائق.
إن هذه الانتقادات الجزافية هي من جهل الناقدين، وقلة إنصافهم، ولولا أن البعض نم علماء الأمة قد ابتلي بمثل هذا الأذى المعنوي على مر العصور لظننا أنه عقوبة ربانية تحيط بنا، ولكن يبدو أن مثل هذه التشويشات والفتن سنة من سنن العمل الإسلامي، والعاصم منها أن ندعو بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فنقول: ( اللهم إنا نعوذ بك من أن نجهل أو يجهل علينا) .
كلمة أخيرة
وبعد أيها الداعية: