الصفحة 96 من 172

يسميها الجاهلية، متابعة للقرآن ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي الشر كذلك، والشرك، صغيرًا كان أم كبيرًا، وحكم الطاغوت، وهي المعاصي غير المكفرة صاحبها أيضًا.

كل ذلك يعنيه عمر.

ويشهد لنا في أنها المعاصي أيضًا، لممها وكبائرها، قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين عير بلالا بأمه السوداء:

(إنك امرؤ فيك جاهلية) .

فسماها جاهلية، لأنها بقية باقية من خلق الجاهلية وإن لم تنقل أبا ذر وراء حائط الإسلام.

قال البخاري:

(المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي: إنك امرؤ فيك جاهلية) (1) .

قال ابن حجر:

(أي أن كل معصية تؤخذ نم ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية) (2) .

وهكذا توافق رأي عمر مع فعل حذيفة بن اليمان في سؤال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الشر والفتن مما عرفناه عنه حين رؤيتنا الماضية لدور الصخب في إجلاء الخير. والفتنة معصية، فهي جاهلية وإن لم تسحب صفة الكفر على مقارفها، ولابد من معرفتنا بها، وتفقيه الدعاة بأوصافها وعلاجها، وإلا نقض الإسلام عروة بعد عروة.

بل الحقيقة أن التفرق والخلاف كان من أبرز ظواهر جاهلية العرب، وأولى المعاصي بتطرق فقه الدعوة لها.

وذلك مسوغ جديد، عمري النسبة، يشجع بحوثنا على فضح أباطيل الفتن والمفتتنين.

والفتن أنواع وضروب، منها التي في العقيدة، ومنها التي في التعامل والسلوك والحلال والحرام. ومنها الطفيفة، ومنها الغليظة. ونحن نتعلم منها هاهنا فتن التعامل الجماعي التي تطرأ على المجموعة المتعاهدة على الدعوة إلى الله، الساعية لإقامة حكم الله، أو الحاكمة به.

يجب أن نعرف جاهلية الخلاف وخلع الطاعة ونكث العهد والتخذيل، وإلا نقضت وهدمت عري الدعوة عروة إثر عروة، وتقاعد الدعاة عن العمل فوجا تلو فوج، وارتفعت معاني الأخوة من ساحتهم.

قال ابن تيمية رحمه الله:

(1) صحيح البخاري 1/15.

(2) فتح الباري 1/92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت