الصفحة 97 من 172

(وهو كما قال عمر: فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله.

ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عنده الخبير بهم، ولهذا يوجد عند الخبير بالشر وأسبابه - إذا كان حسن القصد عنده- من الاحتراز عند ومنع أهله والجهاد لهم ما ليس عنده غيره.

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي) (1) .

وعي يفضح المخادع

ومن حكمة عمر في هذا الباب أيضًا قوله:

(لست بخب، ولا يخدعني الخب) .

والخب، فتح الخاء وكسرها، هو: المخادع الخبيث الذي يسعى بين الناس بالفساد.

وهذه الدعوة مباركة، تربي أبناءها على أن لا يكونوا أخبابا، بل تؤلف أرواحهم، وتريهم أنوار الفطنة، وتعلمهم النية الصالحة والقول الطيب، وتحذرهم سهام الشيطان، والتأويل المستدرج، ثم توجه الرهط المخطئ منهم نحو تربية تستدرك.

ولكنها دعوة مفتحة الأبواب، قد يختلس الخب فرصة، فيلج على حين غفلة من الحارس، ويتخفى دهرًا.

ولذلك وجب على هذه الدعوة المباركة أن تربي أبناءها أيضا على اكتشاف مخادعة الخب، كل الخب، ونصف لهم لحن قوله، وظلمات دروبه، وخروق استدلالاته.

(فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به) (2) .

قالها ابن تيمية ثانية:

ولقد كان الجدل، والكذبة التي تطوف الآفاق، من آخر أساليب الأخباب التي فضحتها أنوارنا، وما زالت الفطنة، العمرية السمت، تتوهج، لتؤنس مسيرتك بلألأة ألوان طيف.

النور الثالث عشر، من شمس

ترك النجوى

(1) مجموع الفتاوى 10/301.

(2) مجموع الفتاوى 10/302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت