سبب اعتبار الضبط في الرواية
أما عن اشتراط الضبط إلى جانب العدالة، وعدم الاكتفاء بالعدالة وحدها لقبول رواية الراوي، أقول: من المصطلحات الدارجة، والكثيرة الاستعمال في علم مصطلح الحديث مصطلح الثقة؛ حيث نجد المحدثين يعبرون عن أحكامهم على بعض الرواة بأنهم ثقات، أو بأن فلانًا ثقة.
من أشهر معاني هذا المصطلح: أن الراوي الذي أطلق عليه المحدثون هذا الوصف؛ أي قالوا فيه: ثقة؛ يكون موصوفًا بوصفين: ... الوصف الأول: العدالة، والوصف الثاني: الضبط والإتقان (1) ؛ لأن الرواية تحتاج إلى الأمرين معًا، فلا يقبل الخبر إلا ممن كان ديِّنًَا تقيًا لا يتعمد الكذب ولا الإخبار بخلاف الواقع، مع التثبت في النقل للأخبار، فقد يكون غير متعمد للكذب، ولكنه ليس ممن يحفظ الحديث على وجهه فيخطئ عن غير قصد حال الأداء؛ لهذا اشترط المحدثون لقبول الحديث من الراوي أن يكون موصوفًا بهذين الوصفين.
قال أبو الزناد (2) : » أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله « (3) .
وقال مالك بن أنس: «لقد أدركت في هذا البلد ـ يعني المدينة المنورة ـ مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثًا قط» . قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: «لم يكونوا يعرفون ما يحدثون» (4) .
ــــــــــــــــــــــ
(1) - قلت: ذكر ابن الصلاح- رحمه الله- أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه: أن يكون عدلًا، ضابطًا لما يرويه. علوم الحديث (ص: 104) .
(2) - عبدالله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، ثقة فقيه، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها. ع. تقريب التهذيب، أحمد بن حجر العسقلاني، تح: محمد فؤاد عبد الباقي دار الرشيد، سوريا، ط1/ 1986م، (ص: 302) .
(3) - صحيح مسلم بشرح النووي، مسلم بن الحجاج القشيري، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، بيان أن الإسناد من الدين: (1/ 12) .
(5) - الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، تح: أبو عبدالله السورقي، وإبراهيم حمدي المدني المكتبة العلمية، المدينة المنورة، (1/ 116) .