بعد الانتهاء من دراسة هذا الفصل يمكن استخلاص النتائج الآتية:
1ـ إن علم الحديث من أشرف العلوم، وأرفعها، وأكثرها تداخلًا وأغزرها، فلا يشتغل به إلا الحاذق الفهِم، ولا يتمكن منه إلا من قصر نفسه عليه، وصرف وقته إليه، وقد حاول قوم أن يجرّبوا فيه ـ وهم ليسوا من أهله ـ فوقعوا في الأغلاط والأوهام، وخالفوا الأئمة الأعلام.
2ـ دواعي الانشغال عن علم الحديث كثيرة، كالزهد والعبادة، أو الاشتغال بعلوم أخرى سوى الحديث، كالقراءات، والفقه، والسير والمغازي، أو الاشتغال بمنصب مهم، كتولّي القضاء. والاشتغال بهذه الأمور أحد أسباب سوء حفظ الراوي؛ لصعوبة التوفيق بينها وبين علم الحديث، الذي يحتاج إلى استفراغ الوسع، وبذل أقصى الجهد لمن أراد البلوغ والنبوغ فيه.
3ـ من أسباب سوء الحفظ ـ أيضًا ـ ذهاب كتب الرواة الذين يعتمدون في التحديث على كتبهم، ويديمون الرجوع إليها. وقد فقدت كتب كثير من الرواة؛ إما باحتراق أو بسرقة، أو غرق، أو دفنٍ في الأرض. كما أن بعض الرواة لم يصطحبوا كتبهم في أسفارهم، وارتحالهم إلى البلدان، فحدّثوا في البلد الذي رحلوا إليه من حفظهم، فاضطرب حديثهم، واختلفت الرواية عنهم.
4ـ ابتلي بعض الرواة بمرض قوي؛ كالإصابة بالفالج، ومنهم من تقدمت به السن وذهب بصره، كما أن بعضهم ألمّت مصيبة الموت بمن يعز عليه فراقه؛ كالولد والأخ، أو سرق بيته أو ماله فأثرت هذه الأعراض والمصائب على حافظتهم فضعفت ذاكرتهم، وساء حفظهم، بعد أن كانوا من أهل الحفظ والإتقان.
ا. هـ