ولا يثبت الخبر إلا بضبط رواته له، والضبط غالبًا عليه مدار التصحيح والتعليل، والجرح والتعديل؛ لأن صحة الحديث لا تحصل إلا بالعناية به من حين سماعه حتى أدائه، وهذا هو الضبط.
فالعدالة ليست هي العامل الوحيد لقبول الرواية، وإنما يجب أن تشفع بالحفظ والضبط والإتقان، وهذا أمر يختلف باختلاف المواهب والقدرات الشخصية للراوي.
قسم المحدثون النقاد ـ وهم أهل هذا الفن ومهرته ـ الضبط قسمين هما:
ضبط صدر، وضبط كتاب.
يقول الحافظ ابن حجر (1) مبينًا ذلك: «والضبط ضبط صدر (2) وهو أن يثبّت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصحّحه إلى أن يؤدي منه» (3) .
فضبط الصدر: هو الحفظ؛ بأن يثبت الراوي ما سمعه في صدره، بحيث يبعد زواله عن القوة الحافظة، مع القدرة على استحضار المحفوظ إن حدث حفظًا. وشرطه: أن يكون الراوي حازم الفؤاد، يقظًا، غير مغفل لا يميز الصواب من الخطأ كالنائم، أو الساهي، إذ الموصوف بذلك لا يحصل الركون إليه، ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه (4) .
ـــــــــــــــ
(1) - أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني المصري الشافعي، أبو الفضل، شهاب الدين أميرالمؤمنين في الحديث، درس ونبغ وبرع في التصنيف والتأليف، من أشهر كتبه: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، توفي سنة (852هـ) . انظر ترجمته في: الضوء اللامع في تراجم أهل القرن التاسع شمس الدين السخاوي، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت. (2/ 36ـ40) ، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي، دار الآفاق الجديدة، بيروت. (3/ 270ـ273) .
(2) - يمكن أن نقول ضبط حفظ، أو ثبت حفظ. يقول يحيى بن معين: (هما ثبت حفظ، وثبت كتاب) . الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. (2/ 38) .
(3) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ابن حجر العسقلاني، تح: د. نور الدين عتر، دار الخير دمشق، ط2/ 1993م. (ص: 55) .
(4) - انظر: فتح المغيث (1/ 289) .