فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 324

وأكثر الرواة كانوا يعتمدون على هذا النوع في أداء الحديث، ولم يكونوا يكتبون، وقد صدرت منهم خوارق في ذلك قد يشك فيها من لم يجربها ولم يشاهد أصحابها، ورويت عنهم أخبار في قوة الحفظ يستغربها الإنسان في هذا العصر الذي انصرفت فيه النفوس عن الحفظ والاستحضار، واعتُمد فيه على الكتب والأسفار.

والحق أن تلك الروايات المتعلقة بالحفاظ وقدرتهم على الحفظ إنما هي وقائع ... وليست ضروبًا من الظنون (1) .

ومن أعجب ما روي في ذلك: قصة الإمام البخاري عندما قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه والقصة مشهورة.

قال الحافظ ابن حجر معلقًا على هذه الحكاية: «قلت: هنا يخضع للبخاري! فما العجب من ردّه الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرّة واحدة» (2) .

وهذا الإمام الجِهبذ يحيى بن معين (3) يقول عن وكيع بن الجراح (4) : «ما رأيت أحفظ من وكيع» (5) .

قلت: مَرَدُّ شيوع ظاهرة الحفظ وذيوعها إلى قوة الحافظة، وسيلان الأذهان واتّقاد الذواكر، وكثرة المذاكرة، ويضاف إلى ذلك: تقارب الإسناد (6) إذ يُؤمَن فيه من الخطأ، والوهم، والنسيان.

ــــــــــــــ

(1) - ضوابط الرواية عند المحدثين، بشير نصر، بحث ماجستير، منشورات كلية الدعوة الإسلامية الجماهيرية العظمى، ط1/ 1401هـ، (ص: 124) .

(2) - هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، مراجعة: مصطفى الهواري، مكتبة القاهرة، ط: 1978م، (2/ 240) .

(3) - يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، مات سنة (233هـ) في المدينة المنورة، وله بضع وسبعون سنة. ع. التقريب (ص: 597) .

(4) - وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست وأول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنة. ع. التقريب (ص: 581) .

(5) - شرح علل الترمذي (1/ 201) .

(6) - قلت: لم يكن الإسناد طويلًا، ولم يكن قد مات الرواة، وإنما كان يمكن التأكد منهم بلا واسطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت