وأذكى هذه الحافظة ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من أحاديث تنهى عن الكتابة (1) ؛ كحديث: (( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) ) (2) .
أما ضبط الكتاب: فهو صون كتابه عن تطرق الخلل والتزوير والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدي منه (3) ، مع مقابلته بأصل موثوق به كنسخة شيخه وأن لا يعِيره إلا لمن أمِنَ أنه لا يغير أو يبدل فيه شيئًا (4) ، فإن لم يقابل كتابه، أو تهاون في المحافظة عليه، وروى من نسخ مستعارة أومُشتراة، فقد عرّض نفسه للطعن وعُدَّ في طبقات المجروحين (5) .
قلت: كان المحدثون مع سعة حفظهم، وشدة تحرّيهم وتثبتهم يكتبون، فالحفظ خوّان، والإنسان عُرْضَةٌ للخطأ والوهم، لا سيما مع بُعد عهد النبوة، وطول الأسانيد وتعددها، وكثرة متون الأحاديث وما يتبعها، كان لا بد أن يعمد المتأخرون إلى الكتابة؛ حفظًا للحديث، وصيانة للسنة أن يُدَسّ فيها ما هو دخيل عليها.
قيل ليحيى بن معين: أيهما أحب إليك ثبت حفظ أوثبت كتاب؟ قال: «ثبت كتاب» (6) .
وقال علي بن المديني (7) : «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة» (8) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - دراسات في منهج النقد عند المحدثين، د. محمد علي العمري، دار النفائس الأردن، ط1/ 2000م (ص: 314) .
(2) - أخرجه مسلم في صحيحه من رواية أبي سعيد الخدري، كتاب الزهد والرقائق، باب: التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، رقم (3004) ، (4/ 2298) .
والنهي عن الكتابة؛ إنما كان لمن يوثق بحفظه، أو خشية الاختلاط بالقرآن.
(3) - فتح المغيث (1/ 289) .
(4) - انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص: 210) .
(5) - انظر: المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، تح: معتز الخطيب، دار الفيحاء، دمشق، ط1/ 2001م، (ص: 109ـ110) ، وعلوم الحديث (ص: 209) .
(6) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 38) .
(7) - علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي، مولاهم، بصري ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين على الصحيح. خ ت س فق. التقريب (ص: 403) .
(8) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 12) .