فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 324

علم الجرح والتعديل عند المحدثين

إن علم مصطلح الحديث في حقيقته ليس علمًا واحدًا، وإنما هو علم يشتمل على عدة علوم وفنون، كل علم منها فيه من القواعد، والضوابط ما يكفي لحراسة هذا الدين، والحفاظ على سنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة، والتسليم.

ومن بين هذه العلوم التي تضمنها علم مصطلح الحديث ـ أو بالأحرى علوم مصطلح الحديث ـ: علم الجرح والتعديل، والذي تفرّد المحدثون بوضع قواعده وشروطه، وآدابه، وأحكامه عامة، ويشهد لهم بهذا الفضل، ويعترف بهذا السبق القاصي والداني، والعدو والصديق، فلتهنأ نفوس المحدثين، ولْتَطِبْ خواطرهم بما قعّدوه، وصنّفوه (1) .

ولا يتقولنّ قائل: إنه لا حاجة لعلم الجرح والتعديل؛ لأنه غيبة، أو: من الذي نصّب هؤلاء المحدثين حكّامًا، وقضاة على رواة الحديث يقضون فيهم برأيهم ويقبلون، ويردون بمزاجهم؟ لا، فالغيبة أن تتكلم عن إنسان بقصد الانتقاص منه لغرض سيء، ومأرب خسيس في نفسك، أما كلام الأئمة ـ أهل الاختصاص ـ في الرواة؛ إنما هو لبيان حالهم، وهل هم أهل لأن يؤخذ عنهم أشرف مصدر، وأعظم منبع بعد القرآن، وهو حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام أم لا؟ ولولا ذلك لوجد الدجّالون والدسّاسون مرتعًا خصبًا، ومجالًا رحبًا للعبث بحديث من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

وأما عن الدعوى الثانية: فإن التقوى التي كان عليها الأئمة النقاد، والأمانة التي كانوا يتمتعون بها، تحجزهم عن القول بما لا يعلمون، وضبط أقوالهم وأفعالهم فيما يجرحون، أو يعدّلون. ونظرة واحدة في تأصيلهم وتطبيقهم، تعرّفك الحقيقة وتعطيك النتيجة. ولنبدأ بدراسة بعض الأمور المتعلقة بهذا العلم، بدءًا من التعريف والنشأة، والأهمية، وأدلة المشروعية، وبيان مراتب الجرح وصولًا إلى ما يتعلق بمرتبة سيء الحفظ بين هذه المراتب، والله المستعان، ونعم الوكيل.

ــــــــــــــــــ

(1) ـ سوف يأتي مزيد بيان وتفصيل، في بيان نشأة علم الجرح والتعديل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت