المبحث الثاني
الاستعارة
والاستعارة باب من أبواب المجاز اللغوي وجريًا على عادة العلماء السابقين إذ أورودها بعد التشبيه لما بينهما - أي الاستعارة والتشبيه - من صلة اذ لا يخفى ان الاستعارة تشبيه حذف أحد طرفيه الاساسيين ولذلك نجده بعد التفسير في كتبهم فسرنا على منهجهم.
2.الاستعارة:
مأخوذة من العارية أي نقل الشيء من شخص الى آخر حتى تصبح تلك العارية من خصائص المعار اليه. والعارية والعارة: ما تدأولوه بينهم، وقد أعار الشيء أعاره منه وعأوره إياه. والمعأورة والتعأور شبه المدأولة والتدأول يكون بين اثنين. وتَعوّر وأستعار: طلب العارية [1] .
ولعل الجاحظ أول من عرّف الاستعارة فقال:"الاستعارة تسمية الشيء باسم غيره إذا أقام مقامه" [2] . وأطلق عليها اسم المثل والبديع عند تعليقه على بيت الاشهب بن رميلة:
هُم ساعد الدّهرِ الذّي يُتقّى به ... وما خير كفٍّ لاتنوء بساعده
قال:"قوله (هم ساعد) انّما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع" [3] .
ومن البلاغيين الذين نقدوا هذه التسمية وفضلوا استعمال لفظ الاستعارة المظفر العلوي (ت656هـ) عندما قال:"وكان القدماء يسمونها الامثال فيقولون: (فلان كثير الامثال) . ولقبها بالاستعارة الزم، لانّه أعم، ولانّ الامثال كلها ليس تجري مجرى الاستعارة" [4] .
ومن المعروف انّ الاستعارة تشبيه حذف منه أحد ركنيه الاساسيين إما المشبّه واما المشبّه به واهم البلاغيين الذين نظروا الى الاستعارة بعمق وفهم دقيق، الجرجاني إذ قال:
(1) لسان العرب مادة (عور) .
(2) البيان والتبين: 1/ 153، 284، والحيوان: 2/ 280 - 283.
(3) المصدر نفسه: 4/ 55.
(4) نضرةُ الاغريق: 133 - 134.