الصفحة 231 من 302

كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى {البقرة: 73} . قال فيها:"منبهًا بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها: {فَقُلْنَا} أي بما من العظمة ..." [1] . وهذا ما ذهب إليه البيضاوي وأبو السعود [2] .

ومن التفات الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} {النحل: 51} . يقول فيها: ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت الى أسلوب التكلم فقال: {فَإِيَّايَ} [3] . فان الأسلوب هنا أوقع للمهابة والتعظيم وأمثلته كثيرة [4] .

وقد بيّن البقاعي أن الالتفات يأتي لغرض التقريع والتوبيخ وهذا من الأساليب البلاغية، إذ حدد كثيرًا من الآيات في سياقها القرآني عادلًا أو ملتفتًا من أسلوب لآخر غرضه التوبيخ فمن أمثلته قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} {البقرة: 28} . قال في تفسيرها:"ولما دعا سبحانه الى التوحيد وذكر حال الفريقين ... التفت الى تبكيت المدبر لعله يستبصر وما أبدع ذلك عقب (الخاسرين) بقوله على طريق الالتفات المغضب المستعطف المعجب {كَيْفَ} ... وصرف الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى وأجرى على لسان لؤمٍ وإنكار فجاء لفظ كيف لقصور نظرتهم على الكيفيات المحسوسة" [5] . فهو التفات الى خطاب المذكورين مبني على إيراد ما عُد من قبائحهم السابقة لتزايد السخط الموجب للتقريع والتوبيخ وهذا قول أبي حيان وتابعه أبو السعود [6] .

ومن أمثلته قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} {الزخرف/15} قال البقاعي:"ولما علم بهذا الاعتراف وما تبعه من التقريب ... كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه سبحانه: فقال لافتًا القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب {وَجَعَلُوا} ... ولما كان كأنه قيل إنكارًا عليهم وتهكمًا بهم إذ لم يرضوا بأن جعلوا لمن إليه الجعل من عباده شر الجزء في الإناث ... عاد له بقوله عائدًا الخطاب لانّه أقعد في التبكيت ..." [7] . وهو كثير في تفسيره [8] .

وقد يأتي الالتفات لذم المتلفت إليه والإعراضُ عنه لسبب يقتضيه المقام كما في قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ... } {فصلت: 23 - 24} . قال البقاعي: ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقامًا يقدح في الإلهية ... تسبب عنه قوله لافتًا القول عن خطابهم إيذانًا بشدة الغضب، وإشارة إلى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال" [9] ."

ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ... } {يونس: 14 - 15} . قال: ثم جعلناكم خلائف ... والالتفات الى مقام الغيبة للإيذان بأنهم أهل للإعراض لإساءتهم الخلافة ..." [10] ."

ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} {يونس: 22} . فالمفسرون وقفوا على هذه الآية بالشرح والبيان ومفسرنا يوضح مجيء الخطاب أولًا في يسيركم ليعم المؤمنين لأن التيسير يصلح للامتنان، ثم التفت إلى الغيبة عند صدور ما لا يليق بهم، وانه سبحانه اقبل عليهم تنبيهًا على أنه جعلهم - بما هيئ فيهم من القوى - أهلًا لخطابه ثم اعرض عنهم إشارة إلى انهم استحقوا الإعراض [11] .

وذهب الزمخشري الى أنَّ فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح [12] . وذهب أبو حيان الى أنَّ الالتفات

(1) نظم الدرر: 1/ 276 - 278. وينظر الكشاف: 1/ 289.

(2) ينظر: انوار التنزيل: 1/ 69، وارشاد العقل السليم: 1/ 90.

(3) نظم الدرر: 11/ 177.

(4) ينظر: على سبيل التمثيل: 1/ 165 و2/ 85، 275 و 476 و 4/ 421 و 5/ 306.

(5) المصدر نفسه: 1/ 212 - 213.

(6) ينظر: البحر المحيط: 1/ 441، وارشاد العقل السليم: 1/ 62 - 63.

(7) نظم الدرر: 17/ 398 - 400.

(8) ينظر: على سبيل التمثيل: 2/ 33، 270، 274 و 8/ 198 و12/ 248 و 13/ 228 و15/ 351.

(9) المصدر نفسه: 17/ 174.

(10) المصدر نفسه: 9/ 87.

(11) ينظر: المصدر نفسه: 9/ 100.

(12) ينظر: الكشاف: 2/ 231، وانوار التنزيل: 1/ 432.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت