الصفحة 232 من 302

الواقع في {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} عائدية الضمير إلى الكائنين في الفلك وهو خروج من خطاب إلى غيبة وهو للمبالغة [1] .

والذي يظهر والله اعلم أنَّ حكمة الالتفات هنا هي أنَّ قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... } خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة للمخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار والخطاب شامل [2] . فالبقاعي وبقية المفسرين نصوا على موضع الالتفات وذكروا الغرض البلاغي للانتقال من الحضور إلى الغيبة وهو المبالغة في التعجيب من كفرهم فالخطاب كان عامًا ثم خصص {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} وكذلك كان الكلام يدور حول نعم الله لينبه بعد ذلك في الانتقال الى ضمير الغائب الى كفرهم بهذه النعم.

وهناك رأيان آخران في هذا الالتفات ذكرهما السيوطي [3] .

الأول: يقول: إنَّ الكلام في بداية الآية مقصود به أناس معينون ثم قصد أن يجمعهم وغيرهم فقال: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} .

والآخر: فيه إشارة صوفية يقول: انهم وقت الركوب حضروا، لأنّهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح فخاطبهم خطاب الحاضرين. ثم لما جرت الرياح بما لا تشتهي السَفن، وأمنوا الهلاك، لم يبق حضورهم كما كان، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة.

ويأتي الالتفات عند البقاعي لغرض التفخيم والتشريف والإجلال كما في قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} {آل عمران: 36} . وقد بين البقاعي أنّها عبرت بالاسم الأعظم في موضع ضمير الخطاب إشارة الى سؤالها في ان يهبها ويرزقها من جلاله ولمّا تم ما قالته عند الوضع أتم - سبحانه وتعالى - الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلال الى الخطاب وقرئ بتسكين التاء الذي هو عدول لغاية الإشراف [4] . وأمثلته كثيرة في تفسيره [5] .

ويأتي الالتفات في تفسيره لغرض إشعار بعلة الحكم في مثل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} {البقرة: 143} قال:"التفات إلى الغيبة في جملة أنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم" [6] . وهذه من مخالفات البقاعي للزمخشري والبيضاوي إذ لم ينص المفسران على أسلوب الالتفات ولا إلى الغرض الذي سيق من اجله وإنّما فسروها على انّها الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة [7] .

ومنه قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} {آل عمران: 179} . قال البقاعي:"وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيمًا لأهله فقال: {لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} الثابتين {عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} عادلًا الخطاب من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر" [8] .

ومن متابعاته للزمخشري في قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} {طه: 53} . قال البقاعي:"معبر عن ذلك، عادلًا عن الغيبة الى لفظ المتكلم المطاع، بما لهُ من العظمة بقوله: {فَأَخْرَجْنَا} ... هم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة والمنافع والطبائع ... لعلة الحكم" [9] . والبقاعي في هذه الآية يذكر علة الحكم وهذا مما لم نجدهُ عند البيضاوي وأمثلتهُ قليلة في هذا الغرض [10] .

(1) ينظر: البحر المحيط: 5/ 138.

(2) المصدر نفسه: 5/ 138.

(3) ينظر: الاتقان: 2/ 904.

(4) ينظر: نظم الدرر: 4/ 352. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وعاصم بضم التاء واسكان العين. ينظر: الحجة لأبي زرعة /160، والسبعة: 204، والنشر: 2/ 239، والتبيان: 1/ 254، وغريب القرآن: 104، والحجة لابن خالويه: 108، وقد اخطأ البقاعي إذ قال وقرأت بتسكين التاء ولا توجد هذه القراءة.

(5) ينظر: على سبيل التمثيل: 4/ 176 و 5/ 322 و 9/ 25 و 10/ 437 و 14/ 420 و 15/ 79 و 17/ 318.

(6) نظم الدرر: 2/ 212 - 213.

(7) ينظر: الكشاف: 1/ 318، وانوار التنزيل: 1/ 92.

(8) نظم الدرر: 5/ 135 - 136 وينظر: الكشاف: 1/ 483.

(9) المصدر نفسه: 12/ 297، وينظر: الكشاف: 2/ 540، وانوار التنزيل: 2/ 49.

(10) ينظر: على سبيل التمثيل: 9/ 172 و 16/ 111 و 22/ 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت