والسبب يعود في رأي الباحث إلى قلة وجود الشواهد من ناحية والناحية الأخرى أنَّ القسم الأكبر من المفسرين عندما يفسرون الآية يذكرون في ضمن تفسيرها أسباب النزول وسبب النزول ناشئ عن علة الحكم والآيات التي انطوت على علل الحكم الغالب منها فقهية تناولها الفقهاء بالدرس والتمحيص والاتساع فضلًا عن الفقهاء فالمفسر لا يكرر ما قاله الفقهاء في علل الحكم إذ ذكروا ان علة الحكم مرتبطةً بسبب النزول وهو مذكور في التفاسير وكتب أسباب النزول فلا حاجة الى ذكرها أو التوسع في بسطها مادامت قد ذكرت والله اعلم.
وقد يأتي الالتفات عند البقاعي للاختصاص كما في قوله تعالى: {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {البقرة: 23} . قال البقاعي:"وأشار إلى عظمة المنزل عليه بالنون التفاتًا من الغيبة الى التكلم فقال: {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} أي الخالص لنا الذي لم يتعبد لغيرنا قط فلذلك استحق الاختصاص" [1] . وقد تابع الزمخشري والبيضاوي في ذلك.
وقد يأتي الالتفات عند البقاعي لغرض تنبيه السامعين كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {العنكبوت: 23} . قال البقاعي:"ولما كان اكثرهم متعنتًا، بيّن أنَّ المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات الى اسلوب التكلم، تنبيهًا للسامعين" [2] . وهذا مما خالف فيه الزمخشري والبيضاوي إذ قال الزمخشري:" {يَئِسُوا} ... وعيد أي ييأسون من يوم القيامة ... او شبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من الرحمة" [3] . وذهب البيضاوي بالقول انه للتحقيق والمبالغة ولم يصطلحا على الالتفات وهذا يدلنا على أن مفسرنا البقاعي إدراك قيمة هذا الأسلوب وكيف تعامل معه في متناول تفسيره إذ بين الغرض البلاغي للعدول.
ومفسرنا استعمل لفظة العدول والالتفات والانتقال في الأمثلة التي أوضحها في هذا الفن البلاغي، ويعد الالتفات من أهم الأساليب البلاغية التي اكثر من الإشارة إليه،
(1) نظم الدرر: 1/ 161. وينظر: 1/ 177 و 2/ 85 و 7/ 23. وينظر: الكشاف: 1/ 238، وانوار التنزيل: 1/ 38.
(2) المصدر نفسه: 14/ 420.
(3) الكشاف: 3/ 203. ينظر: انوار التنزيل: 2/ 281.