الصفحة 255 من 302

الفقهاء وسميته (الادراك لفن الاحتباك) [1] . والبقاعي مبتكر هذا الفن وهو عندهُ يؤدي اغراضًا بلاغية والذي دفعني بالقول والتوصل الى هذه النتيجة ما قمت به من مقارنة لجميع الآيات القرآنية والتي ذكرها البقاعي في هذا الفن، مقارنًا ومتابعًا في اغلب التفاسير القديمة والحديثة آية آية. لم اجد من قال بهذا الفن وهذا المصطلح، ولو بشيء قريب منه مما دفعني ان اصرح بهذه النتيجة وليس جديدًا على العلماء العرب ان يبتكروا مثل هذه الاساليب فهم اهل لذلك، والبقاعي في تفسيره تفرد عن بقية المفسرين بان جعل تفسيره خاصًا بالمناسبة والوحدة الموضوعية فالجديد فيه انه خصّ علم المناسبة بتفسير مستقل، إذ كان مبثوثًا في ثنايا التفاسير وقد اشار اليه قسم من المفسرين كالرازي والزمخشري ولكن لم يفردوا اليه تفسيرًا مستقلًا.

ولا شك ان الذي يفسر القرآن بهذه الطريقة وهذه العقلية يستطيع ان يستخرج كنوزًا منه وكان اسلوب الاحتباك احد الكنوز التي ابتكرها البقاعي في تفسيره. ولو قلنا أن هذا الفن سبق به البقاعي والبقاعي قد طوره فهذا ايضًا مما يحسب اليه؛ لان نظرية النظم كانت مبثوثة في كتب الاعجاز وقد تناولها العلماء بالاشارات لكن من طورها وجعلها نظرية قائمة بحد ذاتها الى يومنا هذا أليس هو الجرجاني"رحمه الله"، فهذه من تلك.

والاحتباك كفن بديعي يخرج الى اغراض بلاغية نصَّ عليها مفسرنا البقاعي منها خروجه للتشويق: قال تعالى: {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} {غافر: 9} قال فيها:"فالآية من الاحتباك. ذكر إدخال الجنات أولًا دليلًا على حذف النجاة من النار ثانيًا، ووقاية السيئات ثانيًا دليلًا على التوفيق للصالحات أولًا، وسر ذلك التشويق الى المحبوب وهو الجنان ... والتنفير من النيران ... ، فذكر المسبب أولًا وحذف السبب لانه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة، وذكر السبب ثانيًا في إدخال النار وحذف المسبب" [2] .

(1) نظم الدرر: 1/ 225 والكتاب لم احصل عليه ولكن ذكره الدكتور عمر عبد السلام تدمري من ضمن كتبه المخطوطة والتي ذكرها في مقالته عن البقاعي مؤرخًا ينظر مجلة تاريخ العرب والعالم السنة العشرون العدد 187 تشرين الأول 2000 بيروت لبنان / 17 - 18.

(2) نظم الدرر: 17/ 16 - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت