والبقاعي يفرق بين الخبر الصادق والكاذب ويتحدث بإسهاب عن هذا الموضوع ويقول في تفسير قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} {البقرة: 252} .
"وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق ما جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع ... وان الصدق يعتبر من جانب السامع، فانه ينظر إلى الخبر، فان وجده مطابقا للواقع قال: هذا صدق" [1] .
ثم يتحدث في سورة يوسف - عليه السلام - ويأتي بكثير من الأمثلة ففي قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} {يوسف: 100} قال:"أتى بمطابقة الواقع لتأويلها، وأما صدقه - صلى الله عليه وسلم - فهو بنسبة الخبر إلى الواقع ... وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها" [2] .
وخلاصة القول عند البقاعي أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت، والخبر أحق باسم الصدق، والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطالبة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقا، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه، وإذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيقي به، وآيات الكتاب الناطق بالصواب كلها على هذا الأسلوب [3] .
ويستفاد من كلام البقاعي أن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب من الكلام، وان مدار الصدق والكذب مطابقة الواقع وعدمه.
واستنبط البلاغيون من أسلوب الكلام ثلاثة أنواع للخبر فإن جاءت الجملة الخبرية خالية من المؤكدات سُميَّ الخبر ابتدائيًا وإذا أُكدت الجملة بمؤكد واحد كان الخبر طلبيا وإن أكدت الجملة بمؤكدين أو أكثر كان الخبر إنكاريا. ويبدو أن علة التسمية نابعة من طبيعة الخبر ولتفصيل ذلك نورد أنواع الخبر مشفوعة بالأمثلة واعتمادًا على ما سبق فالخبر ثلاثة أنواع [4] :
1.الخبر الابتدائي: وهو الخبر الذي يكون خاليا من المؤكدات لأن المخاطب خالي الذهن من الحكم الذي تضمنه قال تعالى: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} {الأنبياء: 63} إذ استأنف الأخبار لما يقع التشوف له [5] .
2.الخبر الطلبي: هو الخبر الذي يتردد المخاطب فيه ولا يعرف مدى صحته، أو هو كما قال السكاكي:"وإذا ألقاها إلى طالب لها متحير طرفاه عنده من دون الاستناد فهو منه بينِِ لينقذه من ورطة الحيرة استحسن تقوية المنقذ بإدخال اللام في الجملة أو إنَّ كنحوِ (لزيد عارف) أو (إن زيدًا عارف) وسمي هذا النوع من الخبر طلبيًا" [6] .
ومن الخبر الطلبي قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} ... {القصص20} . قال البقاعي:"وأكد إشارة إلى أن الأمر قد دهم فلا يسع الوقت للاستفصال ... ثم علل على سبيل التأكيد لما علم من صدق قوله" [7] .
3.الخبر الإنكاري: وهو الذي ينكره المخاطب إنكارا يحتاج الى أن يؤكَّد بأكثر من مؤكد كقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} {يس: 13 - 16} فقد تأكد الخبر في قوله تعالى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} بمؤكدين هما (إنَّ) و (اللام المزحلقة) قال البقاعي:"ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في تأكيده زاد في تكذيب جوابه فقالوا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ... . فالأول ابتداء لإخبار، وهذان جوابا إنكار. فأعطى كلًا ما يستحق" [8] وللخبر مؤكدات كثيرة منها:"إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولكنَّ، ولام الابتداء"
(1) نظم الدرر: 3/ 445 - 446.
(2) المصدر نفسه: 3/ 447، و 10/ 217.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 3/ 444 - 448.
(4) ينظر: تهذيب السعد: 2/ 14، ومعجم المصطلحات البلاغية: 2/ 479.
(5) ينظر: الدرر: 12/ 440.
(6) مفتاح العلوم: 81.
(7) نظم الدرر: 14/ 262 - 263.
(8) ينظر: المصدر نفسه: 16/ 106 - 107.