الصفحة 46 من 302

المبحث الثاني

التقديم والتأخير

إنَّ الجملة العربية تخضع لترتيب ينظَّم تتابع أجزائها في الهيكل الأساسي للبناء اللغوي ومن ثم تستكمل عناصر أخرى يتُّم بها التعبير وتنقل الآراء والانفعالات، فهناك التركيب الاسمي للجملة وفيه يتقدم المبتدأ ثم يتلوه الخبر، والتركيب الفعلي للجملة تبدأ فيه بالفعل ثم الفاعل وبعده المفعول به ثم تتالى الأجزاء الأخرى التي تكون مشتركة في الجملة الاسمية والفعلية كالحال والتمييز، ويلحظ التكامل ما بين الاسمية والفعلية إذ قد يأتي الخبر جملة.

والحقيقة أنَّ ظاهرة التقديم والتأخير ظاهرة نحوية تناولها النحويون القدماء فكان سيبويه (ت 180هـ) أول من اعتنى بالتقديم والتأخير وأشار إلى دلالات بلاغية كتقديم الفاعل والمفعول للعناية والاهتمام [1] . ودلالات تتعلق بالصنعة الشعرية كالضرورة الشعرية التي قد يؤدي فيها التقديم والتأخير إلى قبح الكلام حيانًا.

وقد تابع النحاة واللغويون سيبويه في آرائه كالمبرد (ت 285هـ) وابن جني (ت 293هـ) الذي تفرد في مناقشته لهذه الظاهرة بينما تميز الفراء (ت 207هـ) والأخفش (ت215هـ) في نصّهما على مواضع التقديم والتأخير من نوع تقديم اللفظ والتأخير في المعنى إلى أن وصل البحث إلى الجرجاني (ت 471هـ) الذي درس الظاهرة - مستفيدًا من سيبويه - دراسة دقيقة مفصّلة وأعطى فيها كل حالة خصوصيتها المعنوية، وقدمَّ دراسته على وفق منهج علمي دقيق وتتابعت الدراسات البلاغية للتقديم والتأخير فكان الزركشي (ت 794هـ) والسيوطي (ت 911هـ) في كتابيهما البرهان والإتقان قد قدما حشدًا للآراء وبيانًا كاشفًا لهذه الظاهرة.

وتأتي دراسة مفسرنا البقاعي للتقديم والتأخير مُكمّلة للمفسرين الذين سبقوه فالنظام النحوي في ترتيبه المثالي لم يأت على هذا الترتيب في القرآن الكريم، فثمّة تغيّرات تطرأ على طريقة الترتيب إذ يقدم عنصر أو يؤخر آخر فدقة الوضع للألفاظ القرآنية خلقت لذلك خلقًا فلا نستطيع أن نُبدّل كلمة بكلمة وإلا تغيّر المعنى المطلوب.

(1) ينظر: الكتاب: 2/ 127 - 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت