وسأبحث في التقديم والتأخير عند البقاعي في تناوله لهذه الظاهرة في ضمن آيات القرآن الكريم مبتدأً بالتقدم والتأخير في الجملة الاسمية ثم الفعلية فالجملة والمفرد وبعد ذلك سأتناول أسباب التقديم والتأخير (التقديم والتأخير والمعنى عليه) وسأذكر في هذا الموطن من البحث الأغراض البلاغية التي نصَّ عليها البقاعي. وقسم من المفسرين الأوائل مضيفًا ما أجدهُ مُناسبًا من الأغراض التي لم يذكرها البقاعي وهو يتحدث عن هذه الظاهرة.
أولا: التقديم والتأخير في الجملة الأسمية
1.تقديم الخبر:
ورد تقديم الخبر عند النحاة وذكروه في غير ما موضع، فقالوا: إنَّ تقديم الأعرف هو الأصل ويقصدون هنا المبتدأ، ويتأخر الأقل تعريفا ليكون خبرًا إلا أنَّ هذه القاعدة ليست ثابتة [1] . فقد يتقدم الخبر لغرض بلاغي أو لسياق الكلام، وقد ورد تقديم الخبر في قوله تعالى: {أ َفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ} {الطور: 15} فسحر خبر مقدم و {هَذَا} مبتدأ وذكر ابن هشام هذه الآية فقال:"إنَّ المعنى يخرج للإنكار الابطالي، وهذه تقتضي أنَّ ما بعدها غير واقع، وأنَّ مدعية كاذب" [2] .
وتقديم الخبر يفيد احيانا التعظيم والتعجيب كقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} {صّ: 24} قال البقاعي:"وأكد قلتهم وعجب منها بما أبهم في قوله: {مَا} مثل نعما ولأمر ما {هُمْ} وأخر هذا المبتدأ وقدم الخبر اهتمامًا به لأنَّ المراد التعريف بشدة الاسف على أن العدل في غاية القلة، أي فتأسى بهم أيّها المدعي وكن منهم ايها المدعى عليه" [3] . وذهب الزمخشري بالآية أي وهم قليل وما مزيده الا للتعجب والابهام وتابعه البيضاوي [4] . وذهب القرطبي إلى معنى التعظيم فقال:"فتقديم الخبر قليل جاء لتعظيم هؤلآء الفئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات". وتابعة ابن جزي وأبو حيان [5] .
(1) ينظر: الكتاب: 1/ 88، والمقتضب: 4/ 127 - 190، والمغني: 2/ 588.
(2) المغني: 1/ 24. ينظر: نظم الدرر: 19/ 11.
(3) نظم الدرر: 16/ 360.
(4) ينظر: الكشاف: 3/ 371، وانوار التنزيل: 2/ 310.
(5) الجامع لاحكام القرآن: 15/ 161، وينظر: التسهيل: 3/ 183، والبحر المحيط: 7/ 393.