الصفحة 55 من 302

المواضع ومن ذلك قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} {البقرة: 106} ف (ما) شرطية مفعول مقدم قال البقاعي:"وساقها بغير عطف لشدة إلتباسها بما قبلها لإختصاصنا لأجل التمشية وفي صيغة (نفعل) إشعار بأنَّ من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به ... فما شرطية في محل مفعول مقدم ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم" [1] .

ومن تقدم المفعول به الذي ليس لغرض الاختصاص قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُون} {آل عمران: 83} فقد قُدّم المفعول على فعله. قال الزمخشري:"قُدِمَ المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث أنَّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة على طلبهم اختصاصًا لغير دين الله وليس ذلك هو المراد" [2] .

قال البقاعي:"... وأورد بأن تقديم (غير) يُفهَم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصا لغير دين الله وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأنّ تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار والاختصاص متأخر مراعاة عن نكبة غيره" [3] .

وكلام البقاعي في هذا التوجيه سليم إذ الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه الى الأفعال التي تتعلق بالذوات فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه غير {دِينِ اللَّهِ} ، وإنما جاء تقديم المفعول هنا من باب الاتساع.

وتقديم المفعول به على فعله للاختصاص عند قوله تعالى: {َ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا} {الأنعام: 84} فـ {َ كُلًّا} منصوب بـ {هَدَيْنَا} [4] .

قال البقاعي:"ولما كانت النعمة لا تتم إلا بالهداية قال مستأنفا مقدّمًا للمفعول ليشمل الكلام إياهما {َ كُلًّا} منهما ومن أبيهما للاختصاص" [5] .

ان دراسة تقديم المفعول به وما يخرج إليه من أغراض بلاغية مختلفة قد قررها مفسرنا البقاعي ولكنه اختلف في توجيه هذه الأغراض منها ما اصطلح عليها للاهتمام وللعناية والاختصاص والإنكار. وهو بذلك يقرر الأغراض التي سبق وان قررها

(1) نظم الدرر: 2/ 92 - 93، ومصاعد النظر: 1/ 257.

(2) الكشاف: 1/ 441 - 472.

(3) نظم الدرر: 4/ 471 - 472.

(4) التبيان: 1/ 140.

(5) نظم الدرر: 7/ 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت