وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (فصلت: 37) ، فقد عاد ضميرُ الجمع المؤنث (هن) من (خلقهن) ، على (الليل والنهار والشمس والقمر) .
والسببُ في ذلك، كما في الآية المذكورة آنفًا، يقول الفراءُ:" {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} خلق الشمسَ والقمرَ والليلَ والنهارَ، وتأنيثهن في قوله: (خَلَقَهُنَّ) ؛ لأن كلَّ ذكرٍ من غير الناس وشبههم، فهو في جمعه مؤنثٌ، تقولُ: (مرَّ بي أثوابٌ فابتَعتَهَنَّ) و (وكانت لي مساجد فهدمتهنَّ وبنيتهنَّ) ، يُبنى على هذا" [1] .
وقال الزمخشريُّ:" {خَلَقَهُنَّ} ، الليل والنهار، والشمس والقمر؛ لأنَّ حكمَ جماعةِ ما لا"
يعقلُ حكمُ الاُنثى أو الإناثِ، يُقالُ: (الأقلامُ بريتُها، وبريتُهنَّ) " [2] ، وقد نقلَ أبو حيانٍ كلامَ الزمخشريِّ معلقًا عليه بقوله:"وكان ينبغي أن يُفرقَ بين جمع القلة من ذلك، فإن الأفصحَ أن يكونَ كضمير الواحدة، تقولُ: (الأجذاعُ انكسرتْ) على الأفصح، و (الجذوعُ انكسرنَّ) على الأفصح، والذي تقدم في الآية ليس بجمعِ قلةٍ، أعني بلفظٍ واحدٍ، ولكنه ذكرَ أربعةً متعاطفةً؛ فَنُزِّلِتْ منزلةَ الجمعِ المعبر عنها بلفظٍ واحدٍ" [3] ."
وقد قيلَ إنَّ الضميرَ في {خَلَقَهُنَّ} عائدٌ على معنى الآياتِ في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ} ، يقول الزمخشريُّ:"أو لما قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ} كُنَّ في معنى الآياتِ؛ فقيلَ: {خَلَقَهُنَّ} " [4] ، وقيل إن الضمير يعود على (الشمس والقمر) فقط، على رأي من يقولُ إن أقل الجمعِ اثنان. [5]
(1) معاني القرآن، الفراء، 3/ 18.
(2) الكشاف، 3/ 72.
(3) البحر المحيط، 9/ 307، وينظر: روح المعاني، 24/ 125.
(4) الكشاف، 3/ 72، وينظر: الجامع لأحكام القرآن، 15/ 364، والبحر المحيط، 9/ 307، والبرهان في علوم القرآن، 3/ 367.
(5) ينظر: معاني القرآن الكريم، النحاس، 6/ 271، والجامع لأحكام القرآن، 15/ 364، والبحر المحيط، 9/ 307.