الصفحة 120 من 128

وبعدُ ...

فإنَّ مظهر المطابقة لمْ يغفله النحاةُ، وإنْ لم يُفردوا له بابًا خاصًا به، فنحنُ نجدهم يتكلمون عليها كلما كان ذكرها مناسبًا، وذلك واضحٌ في كتبهم وما ذكرناه في فصول الرسالة

وعلى الرغم من أنَّ الأصل تخالف المبتدأ والخبر تعريفًا وتنكيرًا، فالأول معرفة، والثاني نكرة، فإنَّ مجيئهما معرفتين أو نكرتين، يُعدُّ مظهرًا من مظاهر المطابقة، أما المبتدأ الذي له فاعلٌ يسد مسد الخبر، فإن مجيئه في القرآن الكريم كان مطابقًا، وعلى الرغم من جواز المخالفة بين أفعل التفضيل المضاف إلى معرفة وما قبله، فقد جاء في القرآن الكريم مطابقًا في مواطن تزيد على مواطن المخالفة، وحافظ النظمُ القرآني على المطابقة بين الفعل والفاعل المؤنث، وعلى الرغم من جواز تذكير فعل الفاعل المؤنث المجازي المتصل بعامله والمنفصل عنه، فإنَّ القرآن الكريم جاء بالمطابقة في مثل هذا التركيب، ولا بدَّ لنا من مراعاة السياق والمعنى العام عند تأويل الآيات التي ظاهرها التخالف، كما نستطيعُ أن نقولَ أن لغة (أكلوني البراغيثُ) لغة ورد عليها القرآن الكريم، ولا مُسوِّغ لردها في بعض الآيات القرآنية الكريمة؛ لأنَّها جارية على مظهر المطابقة.

وجاء النعتُ السببي في كلِّ مواطن وروده في القرآن الكريم محافظًا على المطابقة، وكذا الأمر في عطف البيان، والتوكيد، والبدل، وإنَّ مجيءَ ظاهرة القطع في كلٍّ من النعت الحقيقي، وعطف النسق، لم يكن إلا زيادة جمالٍ وروعةٍ في النص القرآني الكريم، وعلى الرغم من جواز تخالف البدل والمبدل منه في التعريف والتنكير، فإن القرآن الكريم استعملهما متطابقين في مواطنَ بلغتْ ضعفَ مواطن تخالفهما.

والمطابقة في القرآن الكريم بين الضمير الغائب المفرد بنوعيه: المذكر والمؤنث، والمثنى، والجمع بنوعيه: المذكر والمؤنث، قد تمت في مواطن تزيدُ كثيرًا على المواطن التي ظاهرها التخالفُ، ولا ننسى أن لهذه المواطن حملًا على المعنى، وقد تمت المطابقة في القرآن الكريم في كلِّ مواطن ورود ضميري الفصل والشأن.

وإنني في رسالتي هذه لا أدعي أني أحصيتُ كلَّ ما جاء مطابقًا أو ما جاء غير مطابق في القرآن الكريم، واكتفيتُ بنصوصٍ وافيةٍ من القرآن الكريم؛ فالقرآن معجزة الله تعالى، لا يستطيعُ الباحث أن يحيط بكلِّ جوانبه وخصائصه وأسراره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت