والجمع، كما لا يكون الفعل مثنىً ولا مجموعًا، وكذلك لا يجوز تأنيثه، إنما تقولُ: (هندٌ أفضلُ منكَ) من غير تأنيث، وذلك لأن التقدير (هندٌ يزيدُ فضلها على فضلك) فكان أفعل ينتظمُ معنى الفعل والمصدر، وكل واحد من الفعل والمصدر مذكرٌ لا طريقَ إلى تأنيثه" [1] ."
وقد جاء من نحو هذا التركيب في القرآن الكريم، قال تعالى: [ {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} (المائدة: 107) ، وقال تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} (يوسف: 8) ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (الروم: 9) ، وقال جلَّ وعلا: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف: 46) ، فنحنُ نلاحظُ أنَّ أفعل التفضيل جاء بصيغة واحدة، وهي الإفراد والتذكير، على الرغم من مجيئه خبرًا عن مفرد مؤنث (شهادتنا) ، وعن مثنىً مذكر (يوسف وأخوه) ، وعن جمع مذكر، الضمير من (كانوا) ، وعن جمع مؤنث (الباقيات) ، وهذه الحالة لا تعنينا في دراستنا.
ثانيًا - إذا كان أفعل التفضيل الخبر مضافًا:
أ - إذا كان مضافًا إلى معرفة:
إذا أُضيف أفعل التفضيل إلى معرفة، جاز فيه المطابقة وعدمها، جاء في شرح المفصل:" (فأما إذا أُضيف ساغ الأمران) الإفراد في كلِّ حالٍ، تقولُ: زيدٌ أفضلكم، والزيدان أفضلكم، والزيدون أفضلكم، وتقول في المؤنث: هندٌ أفضلكم، والهندان أفضلكم، والهنداتُ أفضلكم، والتثنية والجمع إذا وقع على مثنىً او مجموع" [2] ، ويعللُ ابنُ يعيشٍ هذا الجوازَ وعدمه بقوله:"وإنما جاز الأمران في ما أُضيف؛ لأنَّ الإضافة تعاقبُ الألفَ واللامَ، وتجري مجراها، فكما أنَّكَ تؤنثُ وتثني وتجمع مع الألف واللام، كذلك تفعلُ مع الإضافة التي هي بمنزلة ما فيه الألف واللام، وأمّا علَّة الإفراد، فلأنَّكَ إذا أضفته كان بعض ما تضيفه إليه، تقولُ: حماركَ خيرُ الحمير، لأنَّ الحمار بعض الحمير، ولو قلتَ: حماركَ أفضلُ الناس، لمْ يجزْ؛ لأنَّهُ ليس منهم، لأنَّ الغرض تفضيل الشيء على جنسه، وإذا كان كذلك، فهو مضارعٌ للبعض، الذي يقعُ للمذكر والمؤنث والتثنية والجمع بلفظ واحد، فلمْ يُثنَّ ولمْ يُجمعْ، ولمْ يُونثْ، كما أنَّ البعضَ كذلك" [3]
لقد استعمل النظمُ القرآني هذا التركيب مطابقًا وغير مطابقٍ، فمثاله مطابقًا، قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (البقرة: 204) ، وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (آل عمران: 54) ، وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} (يوسف: 59) ، وغير ذلك [4] ، وإنَّ أغلب ما ورد من أفعل التفضيل الخبر المضاف إلى معرفة، هو خبرٌ عن مفردٍ مذكرٍ.
وأمّا مثاله غير مطابق، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} (البينة: 6) ، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} (البينة: 7) ، وإنَّ مواطن المطابقة من مثل هذا التركيب في القرآن الكريم بلغت أضعاف مواطن المخالفة. [5]
ب - إذا كان أفعل التفضيل الخبر مضافًا إلى نكرة:
فإذا أضيف أفعل التفضيل إلى نكرة، وجب عدم المطابقة، يقول ابنُ هشام:"الثاني: ما يجبُ فيه أن لا يُطابق، بل يكون مفردًا مذكرًا على كلِّ حالٍ وهو نوعان: أحدهما المجرد من أل والإضافة، 000، والثاني المضاف إلى نكرة، تقولُ زيدٌ أفضلُ رجلٍ، والزيدان أفضلُ رجلين 000" [6] ، وقد ورد مثلُ هذا التركيب في القرآن الكريم، قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ
(1) شرح المفصل، 6/ 96، وينظر: الإيضاح في شرح المفصل، 1/ 656.
(2) شرح المفصل، 6/ 96، وينظر: الإيضاح في شرح المفصل، 1/ 656، وشرح ابن عقيل، 2/ 181.
(3) المصدر نفسه، 6/ 96، وينظر: الإيضاح في شرح المفصل، 1/ 656 - 657، وشرح ابن عقيل، 2/ 181
(4) ينظر:، (الأنعام / 62) ، (الأعراف / 151) ، (يوسف / 64) .
(5) ينظر: دراسات لأُسلوب القرآن الكريم، 4/ 212 - 219.
(6) شرح شذور الذهب، 416 - 417، وينظر: شرح قطر الندى، 281، وشرح ابن عقيل، 2/ 178.