الصفحة 80 من 128

وقوع بعضها موقعه؛ لرفع احتمال تقدير بعض مضافٍ إلى متبوعهن" [1] . فنقولُ: (مضى الركبُ كلُّهُ) ، للتأكيد على أنَّ جميعَ الركبِ قد مضى، ولإزالة احتمال مُضِيِّ بعضِهِ."

ويؤكد بـ (كلا) المثنى المذكر وبـ (كلتا) المثنى المؤنث، فنقولُ: (جاءَ الزيدان كلاهما) ، و (جاءتِ الهندان كلتاهما) ، حيثُ يرفعُ هذان اللفظان إرادةَ غيرِ التثنيةِ.

والمطابقةُ في هذين اللفظين تكون في الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا، فنقولُ: (ذهبَ الزيدان كلاهما) ، و (ذهبتِ الهندان كلتاهما) ، ونقولُ: (ضربتُ الزيدَينِ كليهما والهندَينِ كلتيهما) ، وقولُ: (مررتُ بالزيدينِ كليهما وبالهندينِ كلتيهما) .

أمَّا المطابقةُ في العدد فتكونُ بإعادةِ ضميرٍ من لفظِ المُؤَكِّدِ على المُؤَكَّدِ، ويُطابقُ هذا الضميرُ، المؤَكَّدَ في التثنيةِ، وأمَّا الجنسُ، فإنَّ لفظَ (كلا) يكونُ للمثنى المذكر، و (كلتا) للمثنى المؤنث.

ولا يُؤكدْ بهما النكرة، بل يجبُ أن يكونَ مؤَكَّدِهما معرفةً؛ ليتم التطابقُ بين المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ [2] ، والأمثلةُ التي ذكرناها تُوضحُ ذلك، ولمْ يُؤَكَّدْ بهما في القرآن الكريم أيضًا.

وأمَّا (كل وجميع وعامة) فترفعُ هذه الألفاظُ احتمالَ إرادة عدمِ الشمولِ [3] ، وهي تُطابقُ مُؤَكَّدِها إعرابًا، فنقولُ: (جاءَ الركبُ كلُّهُ أو جميعُهُ أو عامتُهُ) و (رأيتُ الركبَ كلَّهُ أو جميعَهُ أو عامَتَهُ) ، و (مررتُ بالركبِ كلِّهِ أو جميعِهِ أو عامتِهِ) .

وبالرغمِ من أنَّ لفظي (كل وجميع) مفردٌ مذكرٌ، ولفظ (عامة) مفردٌ مؤنثٌ، فالمطابقةُ حاصلةٌ بين هذه الألفاظ ومؤكَّدها، حيثُ تُضافُ إلى ضمائرَ تعودُ على المؤكَّد، تُطابقهُ في العدد وفي الجنس، فنقولُ: (قرأتُ الكتابَ كلَّهُ أو جميعَهُ أو عامتَهُ) ، و (اشتريتُ الدارَ كُلَّها أو جميعَها أو عامتَها) ، و (جاءَ المحمدون كلُّهُم أو جميعُهُم او عامتُهُم) ، , (رأيتُ الهنداتِ كلَّهُنَّ أو جميعَهُنَّ أو عامتَهُنَّ) .

وأمَّا المطابقةُ في التعريف والتنكير، فَمُؤَكَّدُ هذه الألفاظ معرفةٌ مُطابقٌ لها كما هو واضحٌ من الأمثلةِ، جاءَ في شرح ابن عقيل:"ولا بُدَّ من إضافتها كلِّها إلى ضميرٍ يُطابقُ المؤَكَّدَ" [4] .

وقد وقع في النظم القرآني التوكيدُ بـ (كل وجميع) ، وقد جاءَ التوكيد في هذه المواطنِ كلِّها مطابقًا للمؤَكَّدِ في الإعراب وفي العدد وفي الجنس وفي التعريف، فمثالُ التوكيد بـ (كل) ، قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الأنفال: 39) وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 31) ، وقوله تعالى: {وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا} (الأحزاب: 51) ، وغير ذلك. [5]

أمَّا مثالُ التوكيد بـ (جميع) فلم يرد في القرآن الكريم، إلا أنه وقع التوكيد بـ (أجمع) ، قال ابن عقيل:"يُجاء بعد (كل) بأجمع 000 لتقوية قصد الشمول" [6] ، وقد جاء عن العرب استعمال أجمع دون أن يسبقها (كل) [7] ، وكلا الإستعمالين قد ورد في القرآن الكريم، فمثالُ مجيئه مع (كل) ، قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (الحجر: 30) و (ص: 73) ، ولم ترد غير هاتين الآيتين، وأمَّا مثالُ مجيئه من دون (كل) ، فنحو قوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ - وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} (الشعراء: 94 - 95) ، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (البقرة: 161) وغير ذلك [8] ، وكل هذه المواطنِ تمتْ فيها المطابقةُ كما هو واضحٌ من الآيات المذكورة.

ولم يُؤكدْ بـ (أجمع) ولا بـ (جميع) ، المؤنثَ المفردَ، ولا المؤنثَ الجمعَ، ولمْ يُؤكدْ بـ (عامة) ، في القرآن الكريم مطلقًا.

(1) شرح الأشموني، 3/ 75.

(2) ينظر: شرح ابن عقيل، 2/ 208، وشرح الأشموني، 3/ 75.

(3) ينظر: شرح ابن عقيل، 2/ 207، وشرح الأشموني، 3/ 74. والإتقان في علوم القرآن، 2/ 177.

4 شرح ابن عقيل، 2/ 208، والضمير في (كلها) يعود على (كلا وكلتا وجميع) ، وينظر: شرح الأشموني، 3/ 75، والفرائد الجديدة، 2/ 725.

(5) ينظر: (آل عمران / 119 و154) ، (طه / 56) ، (الحجر / 30) .

(6) شرح ابن عقيل، 2/ 209.

(7) المصدر نفسه، 2/ 209.

(8) ينظر: (الأنعام / 149) ، (يوسف / 93) ، (الأنبياء / 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت