الصفحة 94 من 128

والكلامُ هنا من وجوهٍ منها:

أولًا:

إن (الكلمة) في الآية بمعنى (الخبر) ، قال الطبريُّ:"وقوله: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} يعني برسالة من الله وخبر من عنده، وهو من قول القائل: (ألقى فُلانٌ إليَّ كلمةً سرني بها) ، بمعنى: (أخبرني خبرًا فَرِحتُ به) " [1] .

ثانيًا:

بما أن مُسَمَّى الكلمة ذَكَرٌ، وهو نبي الله عيسى - عليه السلام -؛ فقد ذَكَّرَ لهذا المعنى، قال الزمخشريُّ:"فإن قلتَ: لِمَ ذكَّرَ ضمير الكلمة؟ قلتُ: لأن المُسَمَّى بها مذكرٌ" [2] .

ثالثًا: إن عيسى - عليه السلام - خلقه الله تعالى بكلمة، أي أن عيسى - عليه السلام - أوجده الله تعالى بقوله: {كُنْ} ، فالمقصود بـ (الكلمة) الولدُ الذي وجوده في الحياة الدنيا بقول الله تعالى: {كُنْ} ، وقد ذكر الله تعالى هذا الأمر في عدد من الآيات الكريمة، قال الله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عمران: 47) ، وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عمران: 59) ، وقال جلَّ شأنُهُ: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (مريم: 34 - 35) ، قال ابن كثير:"قال الله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} ، أي بولدٍ يكون وجوده بكلمةٍ من الله، أي بقوله كنْ فيكونُ" [3] . ويقول الزركشيُّ:"و {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} ، تجوّزٌ بالكلمة عن المسيح؛ لكونه تكوَّن بها من غير أبٍ، بدليل قوله: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} ، ولا تتصف الكلمة بذلك"

(1) جامع البيان، 3/ 269.

(2) الكشاف، 1/ 323، وينظر: تفسير النسفي، 1/ 158، وإرشاد العقل السليم، 2/ 36، وروح المعاني، 3/ 160.

(3) تفسير القرآن العظيم، 1/ 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت