يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا) .
فهذه الآية العظيمة نزلت في رجل مرّ بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنمًا له فسلم عليهم؛ فقالوا: لا يُسلّم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ..
وفي رواية تفرد بها أحمد أن الذي قتله قتله بعد أن أظهر الإسلام لشيء كان بينه وبينه في الجاهلية .. وعند ابن جرير أنه حياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم إحنة في الجاهلية فرماه رجل منهم بسهم فقتله ..
وروى البخاري تعليقا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) وروى البزار أن سبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا للمقداد أن المقداد كان في سرية فأتوا على قوم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد .. وفيه أن الآية نزلت بسبب ذلك.
وقال ابن كثير عن قوله تعالى (فعند الله مغانم كثيرة) : (أي خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) أهـ.
ففي هذه الآية وسبب نزولها عبرة وعظة يحذرنا الله تعالى فيها من بعض أهواء النفس الإنسانية وشهواتها الخفية التي قد تميل إلى المكسب والغنيمة أو تنساق وراء الثارات النفسانية وغير ذلك من حظوظ النفس البشرية ورغباتها وتتعامى في خضم ذلك ولميلها إليه عن بعض ظواهر أو علامات العصمة وموانع الإباحة، فتهجم على أهداف سهلة وقد تتجنب أهدافًا ذات شوكة لا لمصلحة الجهاد؛ وإنما انسياقًا وراء حظوظ النفس وميولها (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا) .. فنهانا الله عن ذلك وحذرنا منه وبين سبحانه أنه هو الذي منّ على المسلمين بالهداية وإظهار دينهم وعقيدتهم فإذا كان بعض المستضعفين لا زالوا في بعض الأماكن والأوقات لا يقدرون على إظهار دينهم ومفارقة دار الكفر فكذلك كنتم أنتم من قبل فمنّ الله عليكم بفضله وكرمه فأعزكم وأظهركم؛ فتبينوا إذن ولا تتعجلوا بالحكم على أمثال هؤلاء ولا تهجموا على استباحة أموالهم ودمائهم معرضين عما يظهرونه لكم من علامات الإسلام، فعند الله مغانم كثيرة ورزق وفير فأبواب الجهاد كثيرة، والله قبل ذلك وبعده بما تعملون خبير لا يخفى عليه شيء من دوافع النفس وخفاياها، وهذا تهديد ووعيد كي يتق المسلم الله في جهاده وقتاله فيضبطه بضوابط الشرع ويصفيه من حظوظ النفس وشهواتها ..
فالنفس قد جبلت على كراهية القتال وما يكتنفه من مخاطر، ولذلك قال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .. ) ولذا فهي تميل إلى تجنب القتال وتحب المغانم وتتخيّر الأهداف السهلة (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .