الوقفة الخامسة عشر: عقوق الدعوة"الفصاميون"
كم أحزنني أن يخاطبني أحدهم وأنا معتقل في سجني وكان للتو راجعًا من أحد البلدان متحمسًا للقتال هناك بقوله مستنكرًا: (( أنتم إيش جالسين تعملون عندكم في هذه البلاد!! ) ).
وكان ذلك ردًا متشنّجًا منه على تحفّظات ذكرتها له حول تهييج الشباب وتحميسهم للسفر إلى ذلك البلد وتفريغ الساحة بذلك من العاملين والدعاة ..
فقلت له: (لو قلتها لي وأنا في بيتي ومع زوجاتي وأولادي لما أحزنني هذا أبدًا) مع أني بفضل الله قد جعلت حياتي كلها للدعوة، وزوجاتي يعرفن أن دعوة التوحيد هي شريكتهن الثالثة، والتي لها التقديم والصدارة ونصيب الأسد وأرجو من الله تعالى أن ألقاه وأنا مائل إليها، وهو ميل لا يزعج أهلي بحال بل يقر أعينهن بفضل الله ..
(أما أن يُخاطبني بها وأنا خلف أشباك الأسر وقضبانه فأظن أن ذلك غفلة منه وعيب .. ) .
وأنا هنا لا أمنّ على ديني ودعوتي بسجني وبلائي، وأعوذ بالله من ذلك وأستغفره سبحانه وأسأله أن يتقبل أعمالنا كلها .. فلولاه عز وجل لما اهتدينا ولما دعونا ولما جاهدنا ولما ثبتنا في الأسر ولا في غيره ولكني أردت لفت نظر ذلك المخاصم إلى أن البديل عن النفير إلى تلكم الجبهات التي يحرّض عليها ونتحفظ نحن على تحريضه، ليس البديل دومًا هو النوم والقعود والركون إلى الأولاد والزوجات والدنيا، كما يراه أو يظنه هؤلاء الذين سميتهم بالفصاميين، أو الخصاميين؛ لأنهم ابتدعوا لنا فصامًا نكدًا وخصامًا غريبًا عجيبا بين الدعوة والجهاد!!
لذلك فإن ألمي من خطاب ذلك الصاحب ليس لأجل شخصي بقدر ما هو لأجل الدعوة التي أحتسب عند الله أني بسببها خلف القضبان ويستخف صاحبي بالاشتغال بها ..
وكم آلمني ويؤلمني هذا الفصام والخصام النكد بين دعوة التوحيد والجهاد والذي استشرى بين هؤلاء الشباب المتحمسين، بدعوى عجيبة ذكرها ذلك الصاحب حين قال: (يا صاحبي بعد أحداث أيلول لم يعد هناك دعوة الآن لا دور إلا للقتال!!) ..
عجيب هذا التقرير والتأريخ من صاحبي هذا وأحمد الله تعالى أني لم أسمعه إلى الآن من غيره، فبادرت إلى الكتابة فيه فورًا وعجلا كي أستأصل شأفة هذا الفصام وأقطع دابره ..
أيها الصاحب العزيز لن أقرّعك أو أرميك بالجهل وضحالة التفكير وضيف الأفق وقصر النظر وسطحية الفهم، وإن كنت بفهمك ذلك ليس بعيدًا من هذا كله .. لن أقابلك بذلك في مقابل رمي أمثالك من الفصاميين لأصحاب الدعوة بالقعود والركون إلى الدنيا والأولاد والزوجات .. فما هكذا تُعالج الأمراض وما هكذا يُستشفى من العلل .. ولكني سأقول لك اجلس معي نتحاور بهدوء، وافتح لي قلبك وصدرك ودعنا من التعنّت والمناكفة ..