فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 115

العاقل من يكمن في ضعفه ويتصبّر حال قلّة عدده وعدّته، ويتتبع عورات عدوّه من غير أن يشعره، ويمكر به دون أن ينبّهه ليأمن مكره ويتقي كيده ويتحيّن غَرَّته، فإن التهويش والتهديد قبل الأوان يُنبّه العدو لِيُعِدّ عدته، وصاحبه كمستعرضٍ الهواء بنبله قبل موعد الرّمي، أو كمنبّه الطريدة قبل رميه لها ..

ومن بالغ في التهديد وأكثر من الوعيد استخف به عدوّه فإِن التهديد والوعيد لا يجرح نفسًا ولا ينكأ عدوًا، والإِكثار منه يُسقِط المهابة ويفرغ المصداقية، ومن أراد أن يكون داهية فلا يُعرِّفَنَّ العدو بدهائه فإن من عُرِف بالدهاء حذره عدوه، حتى يمتنع منه الضعيف فضلًا عن القوي ...

حربُ المستضعفين دومًا لا تعتمد على كثرةِ العَدَد ولا العُدَد، بل تستغل نقاط ضعفِ العدو ومكامن غفلته وغِرّته وتختار الضربات القاصمة في الأَوقات الحاسمة، ولكن بعض من لا يفقه هذه الحقائق يُحِبُّ أن ينتفش بريشه ويُعطي لنفسه حجمًا أكبر من حجمها الحقيقية، فيترتب على ذلك أن يحسب له العدو ألف حساب ولا يكتفي بمتابعته ورصده بأجهزته الأمنية المحلية، بل ويستنصر عليه ويستعين بأوليائه في أنحاء الأرض ليكبح إِرهابه الذي يصيّرونه إرهابًا عالميًا بل كونيًا!!

ولو كان صاحبنا عاقلًا مافرح بهذا التضخيم المتعمّد من قبل الأعداء إذ من السذاجة الفرح بمبرّرات قمعه، ومن السَّفه إعانة الأعداء على تكريس أكاذيبهم التي تُعظّم خطره ليألّبوا العالم عليه وليتآزروا على استئصال خطره، وقد يُصاب المسكين بلوثةٍ من الغرور فينسى حجمه الحقيقي ويُصدّق تضخيم أعدائه له فيمسي يتصرف وكأنه فعلًا كما يصفه أعداؤه ويبدأ بإِطلاق التصريحات النارية والتهديدات العريضة بالويل والثبور وعظائم الأمور وكأنه القعقاع بن عمرو أو قتيبة بن مسلم أَول جيشه في بغداد وآخره يشق سور الصين العظيم، والأمر ماسترون لاماتسمعون، وسترون نارًا ودخانًا وتخبيصًا وسخامًا، فيغرر بذلك بأتباعه ويغدون يتصرفون وكأن أَزِمّة العالم أصبحت بأيديهم حتى ليصدق عليهم قول الشاعر ...

"إنّ الزرازير لما طار طائرها توهمت أنها صارت شواهينا"

وينكشف الغبار بعد ذلك عن فقاعات كفقاعات الصابون التي ينفخها الغلمان فتكبر وتكبر ثم تطير وترتفع ثم لاتلبث أن تتلاشى فجأة ..

ولو كان يحترم جهاده ودعوته لما تكلّم وَلَاسْتَعانَ على قضاء حوائجه بالكتمان ...

فإنّ من هيبة القائد ومصداقيته أن لا يتوعّد إلا ويديه ملئى بما يتوعد به حتى لايصبح وعيده كتلك الفقاعات ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت