له صحيحًا. وهذا لا يتوجهُ فيمن يقول بالاستحسان، وجَعلَ معارضةَ الاستحسانِ للعفَةِ كمعارضتِه لحكمها، وهذا قولُ نُفاةِ الاستحسان مطلقًا.
والتحقيقُ في ذلك أنه إذا تعارضَ القياسُ والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرقٌ، وإلاّ لَزِمَ بطلانُ أحدِهما، وهو مسألةُ تخصيصِ العلَّة بعَشها. فإن لم يكن بين الصورة المخصوصة وغيرِها فرقٌ لَزِمَ التسوية، وحينئذ فإمَّا أن تكون العلَّةُ باطلةً، وإمّا أن يكون تخصيصُ تلك الصورةِ باطلًا.
وهذا هو الصواب في هذا كُفَه، وهو الذي يُنكرِه الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنَّهم لا يأتون بفرقٍ مؤثّرٍ بينهما، كما لم يأتوا بفَرْقٍ مؤثّرٍ بين نبيذِ التَّمر وغيرِه من المائعاتِ، ولا بين القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرهما مما يشترطون فيه الطهارة./
وذكروا أدلةً أخرى جيّدة، كقولهم- واللفظ للقاضي (1) :
وأيضًا فإن ما وردَ به الأثَرُ قد صارَ أصلًا بنفسِه، فوجبَ القياسُ عليه كسائر الأصول (2) . وليس ردِّ هذا الأصلِ لمخالفةِ تلك الأصولِ له بأولَى من رَذَ تلك الأصول لمخالفةِ هذا الأصل، فوجبَ إعمالُ كلِّ
(1) في العدة 4/ 1403.
(2) انظر إعلام الموقعين 2/ 311 حيث قرره ابن القيم ونقل فيه عن شيخ الإسلام. وحاول الحنفية الجواب عنه. انظر: أصول الجصاص 123.