فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهنا مفترق الطرق، وهنا يتميز الصادق من الكاذب، ومحب الشهادة من المدعي، فإذا مضى الرجل ولم يلتفت لها فهذا هو الصادق، وإن وقف معها فهو صاحب دعاوي، وكم مضى كثير، ووقف كثير، ورجع بعد أن مضى كثير.
وحدثني أحد الأشخاص - وكان رقيق القلب - قال: عزمت على الخروج إلى الجهاد وطلب الشهادة، فدخلت على زوجتي فقلت بعد التمهيد والمقدمات: يا فلانة أريد أن أمضي إلى الجهاد، فما إن سمعت هذا الكلام حتى بدأت في البكاء أمامي وتترجاني أن أتراجع عن هذا القرار الذي اتخذته فقلت لها بعد محاولات كثيرة: أبدا، لن أتراجع، فقالت: إذا دعني أنا الذي أجهز حقيبتك وملابسك، قلت: لك ذلك، فجلست في الغرفة التي بجانب غرفتي التي فيها حقيبتي وملابسي وكانت هي فيها تجهز الحقيبة وأسمعها تجهز الحقيبة وتبكي بصوت عالي، فرق قلبي لها ولم أتحمل هذا الموقف منها فدخلت عليها الغرفة فقلت: تراجعت عن قراري ولن أخرج، ففرحت بذلك أيما فرح.
فلك أن تنظر كيف حملته زوجته وحبه لها على ترك الشهادة، ولا يفهم من كلامي أني أنهى عن الزواج وأدعو إلى عدم الزواج، فحاشا وكلا، كيف ذلك؟ وهي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء من قبله، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه من حديث أنس، وعنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود إني مكاثر بكم الأنبياء) رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وقال الإمام أحمد: (من دعاك إلى غير الزواج فقد دعاك إلى غير الإسلام) ولكن أقول تزوج يا أخي مع أخذ الحذر كما أمر الله تعالى بذلك في قوله: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) فخذ حذرك من زوجتك، ولا تنجر خلف أهوائها، ولا تحملك محبتك لها على التقصير في أمر الله تعالى.
وفي الصورة الأولى يكون السبب من قبل الرجل نفسه، حتى لو لم تحمله زوجته على عدم الخروج لما خرج أصلا، ولو خرج لرجع من قبل نفسه بدون فعل من الزوجة، وفي الصورة الثانية يكون السبب من قبل الزوجة، فهي تحمله على عدم الخروج أصلا، وعلى الرجوع إذا خرج.
2.الأولاد:
لا شك أن النفوس جبلت على محبة الأولاد كما قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ... ) .