فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 672

وعلاج هذه المشكلة بتحصيل ضدها وهي الشجاعة، وقد تتساءل يا أخي هل يمكن للجبان الذي يخاف من النملة ويبول في سراويله أن يكون شجاعا مقداما لا يهاب الموت وتهابه الشجعان؟

الجواب: نعم، وما ذلك على الله تعالى بعزيز، ونحن في هذه الفقرة نبين كيف يكون الجبان شجاعا، وقد سبق معنا أن من الأخلاق ما يكتسب، ومنها ما يجبل عليها الإنسان، وفي الحديث (إنما الحلم بالتحلم) رواه الطبراني وغيره، والحلم خلق من الأخلاق، وأفاد الحديث بإمكانية اكتسابه بالتحلم، وكذا الشجاعة خلق من الأخلاق يمكن اكتسابه، والتجربة والواقع يثبتان ذلك، وأما الطرق التي من خلالها يمكن اكتساب الشجاعة، فكما يلي:

أولا: عدم الإكثار من النظر في العواقب، كما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: (من أكثر النظر في العواقب لم يشجع) فالمذموم هو الإكثار من النظر في العواقب التي لا مصلحة للرجل في النظر إليها ولا فائدة، وإلا فالنظر في العواقب في الجملة من الحكمة، بل هو رأس التدبير الحسن، فإذا خاف عاقبة أمر حذر منه وبادر الحيلة في التخلص منه، كما قال هشام لمسلمة بن عبدالملك: (يا أبا سعيد هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة ولم يغشني ذعر سلبني رأيي، قال هشام: هذه البسالة) .

وإنما الذي يجبن الشخص كثرة النظر والتفكير في العواقب بدون استخلاص الرأي، مثل أنه إذا حضر المعركة بدأ يفكر في عواقب يعلمها وقد جاء لطلبها من كيفية الموت وهل سيقطع رأسي أم كيف سيحصل لي؟ وكيف سيبقى أهلي من بعدي؟ ويتخيل نفسه وأهله في أسوإ حال، وأنه سيقتل في المعركة، وسيمثل به ويحرق جسده، وأنه كذا وكذا، فيفكر في العواقب الرديئة التي لا تثمر له شيئا ينفعه إلا الجبن والنكول عن الطريق، فمن سلك الطريق لا ينظر في العواقب إلا فيما ينفعه ويصلح حاله ولا يشغل تفكيره بها، أو يفكر في العواقب السيئة التي تثبطه، كأن يفكر في انتصار خصمه عليه ونحو ذلك.

قال المبرد في الكامل:"فأما قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من أكثر الفكرة في العواقب لم يشجع، فتأويله أنه من فكر في ظفر قرنه به، وعلوه عليه لم يقدم، وإنما كان الحزم عند علي رضي الله عنه أن يحظر أمر الدين ثم لا يفكر في الموت"انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت