ثم عاد ينقز إلى مكانه [1] , وكذلك حنّ الجذع اليابس إليه حين فارقه فلمّا جاءه واحتضنه سكن [2] .
فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - لما وفد بخيار قومه وهم سبعون نَفْسًا إلى الله تعالى وكانوا من أفاضلهم فلمّا صاروا في البَرِّيَّةِ غلب رَوحُ القُرْبة على قلبه , وتحقق صدق الإجابة , وظاهَرَهُ قوة الوصول , أسرَعَ إلى ربّه ناسيًا لقومه لما وجد من الوله قاصدًا للمناجاة فقال الله تعالى (له) [3] : {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى} [طه: 83] فقال: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: من الآية 84] , وهذه حالة شريفة خصّ بها موسى عليه الصلاة والسلام دون سائر المرسلين عليهم السلام , عبّر عن نفسه ودلّ على قصده ومراده , قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد - صلى الله عليه وسلم - في آيتين أعلمه (فيهما) [4] رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: من الآية 144] , وقال في الآية الأخرى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 5] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع مايهواه ويتمنّاه , وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام سألوا وطلبوا رضى مولاهم , وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لما أنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: من الآية 51] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك" [5] , وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة [ق 23/ظ] فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... } الآية [آل عمران: 159] وكان رقيق القلب , وأمر الله تعالى
(1) تقدم تخريجه , انظر: 373.
(2) تقدم تخريجه , انظر: ص 372.
(3) "له"ليس في ب.
(4) "فيهما"ليس في ب.
(5) أخرجه البخاري (6/ 117) , بنحوه في كتاب تفسير القرآن , باب قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب: من الآية 51] , ح 4788.