إن الحياة العسكرية بكل ما تفرضه من قسوة وشدة وتقشف وامتثال للأوامر والتزام بتوجيهات القيادة، إننا نجد تجسيدها العلمي في الصيام.
ذلك أن الصوم أسلوب قهري يفرض على الصائم منهجًا خاصًا في حياته قوامه التقشف والحرمان والصبر على مرارة الجوع وحرارة الظمأ ومكابدة المتاعب في زجر النفس والتحكم في شهواتها. والحيلولة دون رغباتها فكأن المسلم الصائم جندي يسمع ويطيع ويمتثل للأمر الرباني دون تردد أو تحايل، وإذا كان الجندي يلتزم بالأوامر وينفذها تحت عين الرقيب فإن الصائم ينفذ الأوامر دون رقابة من أحد إلا من الله الحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينام ـ سبحانه وتعالى ـ.
المبحث الثالث
الصوم يقوي الإرادة
الصوم يقوي الإرادة ويشحذ العزيمة ويعلم الصبر ويساعد على صفاء الذهن وإيقاد الفكر وإلهام الآراء الثاقبة إذا تخطى الصائم مرحلة الاسترخاء، وتناسى ما قد يطرأ له من عوارض الارتخاء والفتور أحيانًا، وعندما يمتلك الفرد قوة الإرادة يستطيع أن يقول للمنكر هذا منكر ويستطيع أن يواجه كل سلبية من سلبيات المجتمع ويكون عضوًا فاعلًا فيه يبني ولا يهدم ويعمر ولا يدمر. وعندما تمتلك الشعوب قوة الإرادة فإنها لا تسمح لمغتصب أو محتل أن يدنس أرضها أو يتحكم في مصيرها وهي أيضًا تنتصر بهذه الإرادة في معارك الجهل والتخلف وصراع الشهوات والأهواء وتحطم بهذه الإرادة كل معوقات البناء والتطوير.
يقول الشيخ الدوسري ـ رحمه الله ـ: وتقوية الإرادة في النفوس ليس بالأمر الهين، فقد عمل رجال الاجتماع وأصحاب التنظيم العسكريين على تقويتها في المجتمع هذا الزمان وقد سبقهم الدين الإسلامي في ذلك أربعة عشر قرنًا، وما أحوج المسلم خاصة أن يكون قوي الإرادة صادق العزيمة ولذا أمره الله بمكابدة ألم الجوع والعطش في الصيام...