الصفحة 23 من 81

ولهذا فالصوم ينشئ السلطة النفسية ويقويها ويمكنها من أداء رسالتها وممارسة دورها في حماية السلام وصيانته داخل كيان الإنسان فمهمتها توجيه اللوم والتأنيب إلى صاحبها كلما حاول أن يخدع وساوس النفس الأمارة أو يقع تحت تأثيرها وبذلك تختفي الصراعات داخل النفس وتنتصر قوى الخير ويّعم السلام و الأمن داخل النفس ثم ينتقل إلى الجوارح فتنعم هي الأخرى بالأمن والاطمئنان فيتحقق الخير كله للمسلم الصائم.

المبحث السادس

الصوم مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية

الصوم مظهر عملي من مظاهر وحدة المسلمين وتساويهم غنيهم وفقيرهم حاكمهم ومحكومهم كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم فكلهم صائم لربه مستغفر لذنبه يمسكون عن الطعام في وقت واحد ويفطرون جميعًا في وقت واحد ويتساوون طيلة نهارهم في الجوع والحرمان كما يتساوون في الشعائر الأخرى المرتبطة بالصيام.

فالصوم يحقق في مجتمع الصائمين نوعًا من وحدة الهدف ووحدة الشعور ووحدة الضمير ووحدة المصير.

تقوم الأمة جمعاء في موسم معين من العام وفي قدر معدود من الأيام وعلى نسق واحد بين جميع الأنام إنه حلقة اتصال بين شعوب قوية، بين شعوب الأمة الإسلامية جمعاء مهما تناءت الديار وشط المزار تصهرها في بوتقة واحدة وتضعها أمام تجربة واحدة لها آثار واحدة ومظهر جماعي واحد. وبذلك تأتلف قلوبهم ومشاعرهم فتغدوا قلبًا واحدًا يتجه في الحياة وجهة واحدة وهذا هو المثل الأعلى للوحدة بين شعوب هذه الأمة بل المثل الأعلى لكل وحدة في الحياة، لأنها وحدة تنبع من الضمير وتصنع المستقبل والمصير وتنبعث من الباطن لتحدث آثارها في الظاهر وتحقق قول الحق سبحانه [وإن هذه أمتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاتقون] [1] .

إن هذه الوحدة التي يحققها الصوم وحدة مبدأ لأنها ثمرة عبادة جادة.

ووحدة ضمير: لأنها تنبع من أعمال الوجدان عن صميم النفس الإنسانية.

(1) سورة المؤمنون: الآية 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت