ومقاصدهم ولغتهم وما يقتضيه النظر في العواقب. كما شرع لهم في أنكحتهم وطلاقهم ونفقاتهم ودعاواهم وخصوماتهم نظامًا حكيمًا يتضمن الإنصاف والعدل وأن تراعى في ذلك العوائد والعرف والاصطلاحات والبينات والمقاصد والظروف والأزمنة والأمكنة في حدود الشريعة ومن محاسنها أيضًا أنها جعلت للناس الحرية في الكسب والأخذ والعطاء فيكتسب المسلم ويأخذ ويعطي في حدود الشريعة كما قال تعالى {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وحرمت على الإنسان دم أخيه وماله وعرضه إلا بحق وهذا كله من محاسن هذه الشريعة وعظمتها ومن تأمل هذه الشريعة في مواردها ومصادرها ونظر ما جاءت به من الأحكام العادلة والإحسان إلى الخلق ورعاية الفقراء والمحاويج والصغار والكبار وغيرهم حتى البهائم اعتنت بها الشريعة وحرمت ظلمها والتعدي عليها عرف أنها شريعة من حكيم حميد خبير بأحوال عباده عليم بما يصلحهم وبذلك يتضح للبيب أن العباد جميعا في أشد الضرورة إلى هذه الشريعة لما فيها من حل مشاكلهم ولما فيها من أحكام عادلة ولما فيها من التوسط فهي وسط بين طرفين عدل بين جورين في جميع أمورها لا تطرف في غلو ولا تطرف في جفاء فمن تأمل هذا الأمر وعني به عرف أنها دين ودولة ومصحف وسيف عباده وحسن معامله جهاد وأعمال صالحة. إنفاق وإحسان وطاعة لله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم توبة من الماضي وعمل للمستقبل فيها كل خير فهي جمعت خير الدنيا والآخرة لا يجوز أن يفصل ديننا عن دنيانا ولا دنيانا عن ديننا بل ديننا ودنيانا مرتبطان ارتباطا وثيقًا في هذه الشريعة كما قال تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا} فهي حاكمه على الناس كلهم على الأمراء وغير الأمراء على الأفراد وعلى الجماعات عليهم جميعًا أن يكونوا تحت حكمها وتحت سلطانها في كل شيء ولهذا كانت هذه الشريعة العظيمة أعظم شريعة وأكمل شريعة وكان البشر في أشد الضرورة إلى أن يعتنقوها ويلتزموها ولا حل لمشاكلهم ولا سعادة لهم أبدًا ولا نجاة للمسلمين مما وقعوا فيه اليوم من التفرق والاختلاف والضعف والذل إلا بالرجوع إليها والتمسك بها والسير على تعاليمها ومنهاجها
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعًا للفقه فيها والعمل بها وأن يهدينا جميعًا وسائر عباده للأخذ بها والسير على ضوئها والاهتداء بنورها إنه جواد كريم كما أسأله عز وجل أن يصلح ولاة المسلمين جميعًا وان يوفقهم للتمسك بهذه الشريعة والعمل بها والتحاكم إليها والحكم بها في كل شيء وأن يعيذنا وإياهم من بطانة السوء ومن دعاة الضلال إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين" (1) "
1)مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبدا لعزيز بن باز (2/ 228) باختصار