وهكذا التقى الرجلان بمَيُورْقة [1] سنة 439 هـ بحضرة الوالي أبي العباس أحمد بن رشيق الكاتب [2] ، وتحت رعايته جرت بينهما مناظرة في موضوعات متفرقة أصولية بصورة خاصة، تصب في مسألة نفي القياس وإبطال الرأي وتعليل الأحكام وما يترتب عن هذه القضايا من فروع فقهية [3] ، وحسب جمهور المترجمين والمؤرخين أن ابن حزم خرج من هذا المجلس مغلوبًا بالحجج والبراهين التي أقامها الباجي وجادل بها خصمه وظهر تفوقه بارزًا [4] ، وفي هذا السياق يقول القاضي عياض: (فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة، وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال فيما بعد) [5] ، وكان من نتائج هذه المناظرة مغادرة ابن حزم لميورقة [6] ، وقدوم المعتضد بن عباد على إحراق كتبه بإشبيلية [7] ، وفي هذا المضمون يقول أبو محمد ابن حزم:
دَعُونِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍّ وكَاغِدٍ … وقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي
فَإِنْ تَحْرِقُوا الْقِرْطَاسَ لَا تَحْرِقُوا الَّذِي … تَضَمَّنَهُ الْقِرِطَاسُ، بَلْ هُوَ في صَدْرِي
(1) (مَيُورْقة) : جزيرة في شرقي الأندلس فتحها المسلمون سنة 290 هـ (انظر: معجم البلدان لياقوت: 5/ 246. الروض المعطار للحميري: 567 - 568، مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: 3/ 1346) .
(2) انظر ترجمته في: جذوة المقتبس للحميدي: 122 - 124. الحلة السيراء لابن الأبار: 2/ 128 - 129.
(3) البداية والنهاية لابن كثير: 12/ 92.
(4) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض. 2/ 805. الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96. طبقات المفسرين للداودي: 1/ 211.
(5) ترتيب المدارك للقاضي عياضى: 2/ 805.
(6) ولعله غادر ميورقة بسبب وفاة الوالي أبي العباس بن رشيق بعد سنة 440 هـ (جذوة المقتبس للحميدي: 123) .
(7) الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96. تاريخ المذاهب الإسلامية لأبو زهرة: 560 - 562.