فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [عزام عز الدين] ــــــــ [19 May 2008, 05:23 ص] ـ
ثقافة تمجيد الفقر: 'الاخلاق' عكس 'المقاصد'!
د. أحمد خيري العمري
مجلة العمران- اونتاريو كندا- عدد شهر مايو
تمتلئ الأدبيات الإسلامية، خاصة أدبيات الأخلاق والزهد، بمفاهيم صارت جزءًا من العقل الجمعي للمسلمين، خاصة عامتهم وعوامهم، رغم كون هذه 'المفاهيم' لا تعدو كونها آراء ومواقف و وجهات نظر لبعض العلماء والزهاد، ضمن سياق اجتماعي وتاريخي معين، ويمكن فهمها -وحتى التعاطف معها -ضمن سياقها وظروف نشأتها، ولكن الإشكالية تنشأ عند إخراج هذه المفاهيم من سياقها المحيط بها، ووضعها في 'خانة المطلق' من المفاهيم، وهو الحاصل حاليًا للأسف.
أتحدث عن ثقافة لا أجد مناصًا من تسميتها بثقافة ' تمجيد الفقر'، وهي تملأ كتب الأخلاق والزهد، وتتسرب من الكتب إلى المنابر ومن المنابر إلى مفاهيم الناس وعقولهم ورؤيتهم للحياة - ويحدث ذلك منذ قرون حتى صارت هذه المفاهيم محصنة داخل اللاوعي والوعي الجمعيين، وصارت تشكل جزءًا من بديهيات الرؤية الإسلامية، رغم أنها لا تعدو أن تكون، كما ذكرنا، مفاهيم نتجت ضمن سياق تاريخي معين.
بذور هذه الثقافة، بدأت أولًا في زهد معتدل وليس بعيدًا عن النص الديني، وحتى هذا الزهد، كان ضمن سياقه التاريخي أقرب ما يكون إلى الموقف السياسي - الاجتماعي، المعارض لسلطة سياسية بالغت - من جهتها - في الترف وأفحشت فيه، و حاولت شراء ذمم كل من يعارضها عبر العطايا والهبات - وهكذا يمكن فهم طبيعة 'زهد' أئمة من أمثال الحسن البصري - حيث لا يمكن فصل زهده عن مواقفه السياسية المعارضة عمومًا، ويمكن اعتبار زهده هنا، نوعًا من المعارضة الاجتماعية لنمط حياة مبالغ في الترف كان يتم بتكريسه عبر السلطة. لكن هذا 'الزهد' - كان معتدلًا تمامًا، ولا يمكن أن نجد فيه أثرًا لتمجيد 'الفقر' كما سنلاحظ لاحقًا. بل و يمكن اعتبار رسالته الشهيرة الى الخليفة 'عمر بن عبد العزيز' نموذجا واضحا على زهد في الدنيا هو في حقيقته 'بيان للمعارضة' كان اكبر من مجرد رؤية سياسية، بل امتزج مع الجانب الاجتماعي بوضوح.
والذي حدث، بالتدريج، أن هذا المفهوم انفصل تمامًا عن سياقه ودوره الإيجابي ضمن هذا هذا السياق - وتحول ليصير بمثابة 'رؤية مطلقة للعالم' - متقويًا بمهابة وسطوة أسماء الأئمة والعلماء الذين أسهموا فيه (الذين لا نقلل من احترامهم بكل الاحوال) ، ومتداخلًا مع ازدياد تعقيد الظروف الاجتماعية والسياسية - ويمكن أن نقارن بين زهد الحسن البصري، الذي كان الاعتدال جوهره، وكان خاليًا تمامًا من 'تمجيد الفقر' - وبين ما تراكم لاحقًا عبر القرون التالية من تمجيد للفقر وتغني بفضائله المطلقة!
ينبغي هنا أن نوضح أمرين: الأمر الأول أن النصوص الدينية بريئة تمامًا من هذه الثقافة، بل ومناقضة لها. لا نقول ذلك كموقف دفاعي ولكن انطلاقًا من النص القرآني الذي يجب أن يكون المدخلَ لفهم ما سواه، فالنص القرآني يحدد أن {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} [البقرة: 2/ 268] - فهل يمكن أن تكون دعوة الشيطان إيجابية؟ .. كل النصوص القرآنية الأخرى التي يرد فيها 'الفقر' أو 'الفقراء'- لا تخرج عن كونها تحض على مساعدتهم، أو أنها تتحدث عن فقر الإنسانية المطلق إلى الله - وهو أمر يخرج عن موضوعنا تمامًا. أما الأحاديث النبوية، فتقسم إلى قسمين؛ قسم صحيح وثابت، ولن نجد هنا أي تناقض مع النص القرآني - مثل استعاذته عليه الصلاة والسلام من الفقر في الدعاء المعروف (متفق عليه) وكون الحج والعمرة ينفيان الفقر (النَّسائي) - وهل يمكن أن يتعوذ عليه الصلاة والسلام بالله تعالى إلا إذا كان شرًا مما يستعاذ منه؟ وهل يمكن أن يمسح الحج الفقرَ إلا إذا كان أمرًا مما يجب مسحه؟ ..
(يُتْبَعُ)