فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
?كما وصف المؤمنون الخاشعون في سورة المؤمنون بقوله:] والذين هم للزكاة فاعلون [. وهذه الصفات هي ضد الصفات الواردة في سورة الماعون:] أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين. فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون. ويمنعون الماعون[. فانظر إلى هذا التوافق العجيب. وصدق الله:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".
المثال الثاني قوله تعالى:] ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون، ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون[.
يقول الطبري في تفسير هاتين الآيتين:
ويوم ينادي ربك يا محمد هؤلاء المشركين فيقول لهم:"أين هم شركائي الذين كنتم تزعمون"أيها القوم في الدنيا أنهم شركائي؟
وقوله:] ونزعنا من كل أمة شهيدا[: وأحضرنا من كل جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة ..
وقوله:]فقلنا هاتوا برهانكم[يقول: فقلنا لأمة كل نبي منهم التي ردت نصيحته وكذبت بما جاءها به من عند ربهم، إذ شهد نبيها عليها بإبلاغه إياها رسالة الله"هاتوا برهانكم"يقول فقال لهم: هاتوا حجتكم على إشراككم بالله ما كنتم تشركون مع إعذار الله إليكم بالرسل وإقامته عليكم بالحجج ..""
وقوله:] فعلموا أن الحق لله[يقول: فعلموا حينئذ أن الحجة البالغة لله عليهم، وأن الحق لله والصدق خبره، فأيقنوا بعذاب من الله لهم دائم.
]وضل عنهم ما كانوا يفترون[يقول: واضمحل فذهب الذي كانوا يشركون بالله في الدنيا، وما كانوا يتخرصون ويكذبون. .
هذا ما قاله الطبري في هذه الآية، وبمثل هذا القول أخذ معظم المفسرين.
غير أن الفراهي الهندي يقول في مقدمة كتابه مفردات القرآن:". ثم سوء فهم الكلمة ليس بأمر هين فإنه يتجاوز إلى إساءة فهم الكلام، وكل ما يدل عليه من العلوم والحكم، فإن أجزاء الكلام يبين بعضها بعضا للزوم التوافق بينها. مثلا كلمة"النزع"في -سورة القصص- تبين معنى"الشهيد"- هناك - فسوء فهمها صرف عن معنى غيرها. ."
يريد بذلك الذين فسروا"النزع"بالإحضار وما شابهه - كما ذهب إلى ذلك الطبري وغيره-، والمعروف أن أصل النزع: جذب الأشياء من مقارها بقوة"."
ومثل هذا الخطأ في معنى"النزع"جعل من الممكن تفسير"الشهيد"بـ"النبي"وبذلك اضطر المفسرون إلى التكلف في معنى الآية، نتيجة الخطأ في معنى"النزع"و معنى"الشهيد".
ولو أنهم تمسكوا بأصل المعنى"جذب الأشياء من مقارها بقوة"لعرفوا أن هذا لا يتناسب مع مقام"الشهيد"- الذي هو النبي - وأنه لا بد للشهيد من معنى آخر.
وقد بين الفراهي معنى الشهيد في كتابه"مفردات القرآن"فقال:
"الشهيد": الذي يشهد ويحضر. ويحمل على وجوه:
1 -من يشهد المشاهد العظيمة من القوم ويتكلم عن القوم، فهو لسان القوم، فما قال كان ذلك قول القوم، فهو رئيسهم وهم يذعنون لما قال.
وهذا كما قال تعالى:] ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون"."
وقد فسر الفراهي في مذكراته التي وضعها بين يدي تفسيره"الشهيد"في الآية بأنه إمامهم في الكفر.
ويؤيد هذا التفسير ما جاء في سورة مريم في قوله تعالى:] ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا[.
حيث استعمل نفس فعل"النزع"واستعمل"الشيعة"بدل الأمة، وبين معنى الشهيد بأنه أشدهم على الرحمن عتيا"."
وبناء على هذا يستقيم معنى الآية: ونزعنا من كل أمة شهيدا - إمامهم في الكفر وأشدهم عتوا - فقلنا - لهؤلاء الأئمة العتاة-: هاتوا برهانكم - على ما كنتم تزعمون لي من الشركاء - فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون - من الشركاء -.
ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى:] ويوم يناديهم أين شركائي قال قالوا آذناك ما منا من شهيد. وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص[.
ولو أننا تتبعنا الآيات التي تنتهي بقوله تعالى:]وضل عنهم ما كانوا يفترون [لرأيناها تؤيد هذا المعنى، مما لا يدع مجالا للشك في صحة هذا التفسير.
(يُتْبَعُ)