فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14778 من 53113

تدبر قوله تعالى:(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)

ـ [د. حاتم الشريف] ــــــــ [20 Dec 2008, 01:00 ص] ـ

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99] .

فيه فوائد:

1 -تسمية الأشياء بما يشابهها من وجه قوي، فالذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم ليس إكراهًا، بل هو حرص شديد على الهداية، وحزن بالغ على عدمها، ومع ذلك سماه الله تعالى إكراهًا؛ لأنه يتفق مع الإكراه في عدم قبول وجود مخالف معرض عن الهداية.

2 -أن عدم قبول وجود مخالفين، مع تعارضه مع السنة القدرية فهو يعارض السنة الشرعية أيضًا؛ لأنه لا يقع إلا ممن يريد الإكراه على الدين، والإكراه عليه محرَّم، ولذلك افتحت الآية بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) لتقرر أن الخلاف قدري، ولا يقدر على عدمه إلا الذي قدره سبحانه.

3 -بيان أن الإكراه على الدين من قطعيات المنهيات، حتى أصبح مجرد القرب منه والشبه به سببًا للعتاب ولمثل هذا السؤال الاستنكاري.

4 -يقول ابن عاشور: (وهذا تعريض بالثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وعذرة له على عدم استجابتهم له، ومن بلغ المجهود حق له العذر) ، وهو مأخوذ من الحرص الشديد على الهداية الذي اقتضى تسميته بالإكراه.

ـ [محمد بن جماعة] ــــــــ [20 Dec 2008, 02:06 ص] ـ

أحسن الله إليك يا دكتور، على هذه النقاط المفيدة.

وأنتهز الفرصة لتحيتك، وأنا ممن يقرؤون باهتمام ما يتوفر من كتاباتك.

بارك الله في علمك ووقتك.

وموضوع (اللا إكراه) من أكثر المواضيع الغائبة في ثقافتنا العملية، وإن كنا الجميع يتفق نظريا عليها.

ولست أدري إن كان يحق اعتباره مقصدا من مقاصد الشريعة.

ـ [أبومجاهدالعبيدي] ــــــــ [20 Dec 2008, 11:51 ص] ـ

أولًا: نرحب بالشيخ المحقق الدكتور الشريف حاتم، ونسأل الله أن ينفع به وبعلمه.

ثانيًا: تتمة للفائدة:

قال العلامة سفر الحوالي في شرح العقيدة الطحاوية:

(نجد أن كثيرًا من المهزومين أو المخدوعين يقولون: إن هذا الدين دين دعوة فقط لا جهاد ولا قتال فيه، وإنما يدعو النَّاس إِلَى أن يؤمنوا به بطواعيتهم وباختيارهم، ويستدلون بقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ويقول: قال تَعَالَى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256] .

إذًا: ليس في الإسلام قتال من أجل الدين ولا جهاد، فإن قلنا: فهذه الفتوحات الإسلامية، والغزوات النبوية قرابة ثلاثين غزوة وقرابة المائة سرية، والصحابة من بعده وصلوا إِلَى نهاية العالم من جهة الغرب إِلَى المحيط الأطلسي، ولم يكن معروفًا في ذلك الوقت أن وراء هذا المحيط عالمًا آخر.

وتوغلوا من جهة الشرق حتى وقَّع لهم ملك الصين على دفع الجزية، ولم يبق شيء من العالم إلا أوروبا وهي قبائل همجية في الشمال وأجزاء قليلة في الجنوب، كيف يكون هذا المجد وهذا الكسب؟ قالوا: هذه حروب دفاعية فقط، فقريش أرادت أن تعتدي عَلَى النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقاومها وحاربها ويستدلون بقوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190] .

فيأخذون هذه الآية مع الآيتين السابقتين ويشكلون منها قواعد وأحكام يقررونها، وهي أن هذا الدين لا جهاد فيه فيُقَالُ لهم: إن معنى قوله تعالى: لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أنه قد كتب أزلًا وقدرًا أن أناسًا سيموتون عَلَى الكفر، وستمتلئ منهم جهنم، أما قوله: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فمعناها: أنهم لن يؤمنوا مهما بذلت وحاولت، وقد اختاروا الكفر بإرادتهم واختيارهم، وهذا مطابق لما قد كتب عليهم كونًا وقدرًا.

وليس المقصود من هذا أنك لا تجاهدهم، بل معناها: حتى وإن جاهدتهم فلن يؤمنوا، سواء دعوتهم سرًا أو جهرًا بالحكمة أو السيف؛ لأنك لا تستطيع أن تكره النَّاس حتى يكونوا مؤمنين، فقد اختاروا ذلك اختيارًا، ولن يرجعوا عن ذلك، ولا يمكن واقعًا أن يتحول النَّاس إِلَى أمة واحدة، فاقتضت حكمة الله تعالى وتمت بذلك كلمته أن يكون النَّاس أمة خير وأمة ضلال، وقد جعل الله لكل نبي عدوًا من المجرمين لحكمة.

إذًا: لا تستغرب أيها النبي لأن لك أعداءً، وأنت تحرص عَلَى هدايتهم ومع ذلك لن يهتدي أحد أبدًا.

ولاعلاقة لهم في كونك تجاهدهم أو لا تجاهدهم، فأمر الآية يتحدث عن أوامر كونية أزلية، وليس عن أوامر أو أحكام شرعية تعبدية؛ فحتى مع الجهاد -وهو مشروع بلا ريب لكي يدخلوا في الدين- لن يؤمن إلا من كتب الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى له الإيمان، لكن يجب عليك أن تقاتل كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:73] أي: جاهدهم، لكن ليس في حولك ولا في قوتك أن تدخل الإيمان إِلَى قلوبهم، ولم يكلفك الله به، ولكن كلفك أن تدعوهم وأن تجاهدهم، إذًا لا تعارض ولا تناقض بين هذا وذاك.)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت